قال عبد الكريم الخطابي " لا أرى في الوجود غير الحرية "

 


 

الهمة ودار المخزن

كتبها عبد الله أموش ، في 26 يونيو 2009 الساعة: 15:56 م

 

      الهمة ودار المخزن
                                           * بقلم الطالب: عبد الله أموش
إن المتتبع للمشهد السياسي المغربي، ليجده مستعصيا عن الفهم و التحليل فهو كبيت العنكبوت. لا يمكن أن يعرف أحد كيف نسج؛ إلا من قام بنسجه أو ساهم في نسجه. هذه الحقيقة هي التي لازالت إلى الآن غامضة داخل المشهد السياسي المغربي؛ والسؤال البسيط المركب الذي مازال البعض يطرحه في استغراب؛ كيف أمكن لحزب جديد وحديث التأسيس أن يكون فريقا برلمانيا، ويكتسح الساحة المغربية في الانتخابات الجماعية 2009م؛ ويهدد بسحب الثقة من الحكومة؟ وقد أشار الصحفي مصطفى العلوي في مقال له بالجريدة التي هو على رأسها الى أبعد من ذلك حين رأى: "بأن الهمة قد دخل إلى شوارع الملك وهو بالفعل لا يقصد ( داز فالشاريع ديالو ) " !!وقد قال الحلاج " من لم يفهم إشارتنا جهل مقصودنا ".
فهذه الشخصية الكاريزمية التي يتحدثون عليها لا يجب أن ننس أنها هي التي نسجت أو ساهمت في نسج الخريطة السياسية للبلد بإحكام ( لما كانت في حكومة الظل ). ومنطقيا الذي يطلع على خريطة خصمه ويعرف كل صغيرة وكبيرة عليه؛ لابد أنه هو الغالب.
فهذه الشخصية تعرف ما يدور ( بدار المخزن )؛ تعرف المفسد من المصلح ، تعرف كيف تحرج، وكيف توقف كل واحد عند حده، وكيف تلعب بالملفات ( ملفات

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الرهان الأساسي للحركة الطلابية

كتبها عبد الله أموش ، في 22 يونيو 2009 الساعة: 13:21 م

 

الرهان الأساسي للحركة الطلابية
*    بقلم الطالب: عبد الله أموش
إن من ضمن ما ساهم على تشتيت الحركة الطلابية، وتعميق أزمتها علاوة على الحصار الذي تضربه الدولة على هذا الكيان الذي كان بإمكانه أن يتبوأ موقع الصدارة في قيادة الحراك المجتمعي؛ هو عدم إنصات كل فصيل إلى مبادرة الآخر، فالطابع الذي يطغى على الفصائل هو النزعة الاستبدادية الإقصائية. دون أن يعلموا بأن أساس الديمقراطية هو وجود آراء مختلفة ومتناقضة، وهكذا فالمبدأ الديمقراطي يلزم كل واحد باحترام حق الآخر في التعبير عن أفكار مناقضة لأفكاره، فلكل فكرة عميقة توجد فكرة أخرى عميقة عند الطرف الآخر.
 وبوجود النّفَس الاستبدادي داخل الجامعة التي يجب أن تكون فضاء لحرية الإبداع؛ لن تكون الدولة بحاجة للتدخل كل مرة من أجل لجم الفصائل التي تصبوا إلى أن تخرج الحرم الجامعي من أزمته، فالنتيجة الحتمية هي تشرذم الفصائل وتباعدها .
 فكم من مبادرة طرحت، وكم من لقاءات عقدت، لكن دون جدوى، لسبب أساسي هو عدم توفر الإرادة السياسي الحرة بحيث ينزل كل فصيل من برجه العاجي لأجل التوافق على أرضية مشتركة تعطي دينامية جديدة للحركة الطلابية؛ فكل فصيل يحاول أن يصدر مبادرة دون أن يلتفت إلى وجود مبادرة في الساحة تم طرحها من طرف فصيل آخر ويجب تدارسها والوقوف عندها بشيء من النقد والتقييم والتمحيص والبحث عن النقط المشتركة فيها، لتكون المشترك الذي ينطلق منه الجميع من أجل التوافق، وليس نسخ تلك المبادرة بأخرى، وبالتالي تعميق الفجوة والهوة بين الفصائل وتمسك كل فصيل بمبادرته كأنها الأداة السحرية الأخيرة لحل كل المشاكل.
المبادرات ونفس التعالي:
1-             فصيل النهج الديمقراطي القاعدي قدم مبادرة (البرنامج المرحلي بما هو برنامج للحركة الطلابية سنة 1986م).
2-             فصيل منظمة العمل الديمقراطي الشعبي قدم مبادرة (مقترح القيادة الوطنية المؤقتة، تتشكل من اللجنة التنفيذية وقدماء أوطم وجميع الفعاليات سنة 1989م) ومبادرة (مشروع العقد الطلابي سنة 1990م-1991م ) ومبادرة (خيار الحوار الديمقراطي).
3-             فصيل طلبة الاتحاد الاشتراكي قدم مبادرة (ورقة عمل بتاريخ 9 ابريل 1996م) وقدم مبادرة (ميثاق وطني لحقوق الطالب المغربي سنة 1997م).
4-             فصيل العدل والإحسان ( تم الإعلان عنه سنة1991م ) قدم مبادرة (" الميثاق الطلابي" ليكون أرضية الانطلاق سنة 1993م)؛ ومبادرة ( مناضرة وطنية بين الفصائل الطلابية حول قضايا الجامعة والحركة الطلابية)؛ ثم مبادرة ( الندوة الوطنية لتوحيد الموقف العملي من الدورية الثلاثية فبراير 1996م )؛ ومبادرة ( الجبهة الوطنية لحماية الجامعة 21 نونبر 1997م )؛ مبادرة (الحوار ومبادرة ضد العنف 2009م ).
5-             التقدم والاشتراكية قدم مبادرة (مشروع الأرضية لوثيقة نقاش الندوة الوطنية الطلابية).
6-              فصيل طلبة الميثاق ( أعلن عن نفسه أواخر 1992م ) طرح مبادرة ( الميثاق الطلابي ليكون أرضية الانطلاق في محاولة لأتجاوز الأزمة سنة 1993م ).
7-             فصيل طلبة الوحدة والتواصل ( تم الإعلان عنه سنة 1996م ) قدم مبادرة ( الحوار الطلابي الذي أطلقه؛ سنة1997م وعقد مع مجموعة من الفصائل: "الطلبة الديمقراطيين 22/12/1997م"؛ "طلبة الاتحاد الاشتراكي 24 نونبر 1997م"؛ "فصيل العدل و الإحسان 25/11/1997م"؛ "فصيل طلبة الميثاق 25/12/1997م" فيما لم يتمكنوا من الاتصال بالطلبة القاعدين وطلبة التقدم والاشتراكية؛ فيما أبدى طلبة الطليعة عدم استعدادهم في تلك المرحلة للحوار. ( وعقدوا ندوة وطنية للحوار الطلابي سنة 1998م). وقدم مبادرة ( وثيقة العلاقات بين المكونات الطلابية سنة 1998م )  ثم مبادرة ( وثيقة الحل الاستثنائي كورقة تحدد الخطوات الإجرائية/ المسطرية والقانونية للهيكلةسنة 2000م ).
8-             مبادرة الحوار الطلابي جمع هذا الحوار (الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية؛ ومنظمة العمل الديمقراطي الشعبي؛ وحزب التقدم و الاشتراكية وحزب الطليعة سنة

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الفن الإسلامي وتبني القيم الإنسانية/الى الأستاذ الكريم عبد الرحمان

كتبها عبد الله أموش ، في 22 يونيو 2009 الساعة: 13:06 م

 

الأستاذ الكريم عبد الرحمان أشكرك على تفاعلك مع مقالي " كفى للغناء الإسلامي إن لم يكن من أجل القيم المشتركة "، وأشكرك على تعليقك عليه. وبما أني دائما ما أبحث على المشترك الإنساني لأنطلق منه في بناء أرضية الحوار وبناء علاقات التفاهم مع الآخر فاني أشكرك على ترحيبك بتبني القيم الإنسانية المشتركة على مستوى الفكر والممارسة. وبتبني القيم على مستوى الفن " نعم نريد للفن الإسلامي أن يتبنى القيم الإنسانية الراقية بشمولية"
أما دعوتي إلى تبني القيم المشتركة في الفن فمنطلقها هو إيماني بوجود مشترك إنساني قوي وفطري بين البشرية، وإيماني بضرورة التحاور والتعارف ضدا على قيم الإلغاء والإقصاء للآخر، لذلك قلت في ختام المقال:" الفن

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الحرية أولا ثم الإبداع ثانيا

كتبها عبد الله أموش ، في 8 يونيو 2009 الساعة: 11:58 ص

 

الحرية أولا ثم الإبداع ثانيا
*       بقلم الطالب: عبد الله أموش
يموج في الملتقيات والنوادي التي تذكر فيها الحرية، والدعوة إلى مزيد من الحرية في المجتمعات العربية والإسلامية حديث عن ضوابط الحرية، وهذا في نظري قفز إلى الإمام إذ الحديث عن الضوابط التي هي الفرع قبل الأصل الذي هو الحرية ضرب من العبث. فلا حديث عن الفرع قبل تحقق الأصل. فالمتمعن في كل المشاريع الإصلاحية في الوطن الإسلامي سيلاحظ قاسما مشتركا بين كل هذه المشاريع هذا القاسم المشترك هو الحرية و ذم الاستبداد.
في مصر تحدث الزعماء داخل البرلمان عن سبب هذا التخلف وسبل النهوض فقال خالد محمد خالد "بمزيد من الحرية يا سعادة الرئيس – عبد الناصر" فما كان من إلا أن قام برصد والقبض على كل من صفقوا لقول خالد محمد خالد.عملا بقول هتلر: ( عندما يتحدثون عن المثقف ..فاني اخرج مسدسي ). وفي المغرب قال عبد الكريم الخطابي " لا أرى في الوجود غير الحرية " وأكد قائلا: " لا أريد أن أكون أميرا ولا سلطانا أريد أن أكون حرا في بلد حر " ومن قبله أرجع السيد عبد الرحمان الكواكبي كل مشاكل الأمة إلى الاستبداد في كتابه " طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد " وربط الأستاذ المهدي المنجرة تقدم الأمم بالمشروع المجتمعي والقيم علاوة على ذلك بالحرية والإبداع والموارد البشرية؛ ولم يكن

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

التكاملية وانعكاسها على فكر عبد الوهاب المسيري

كتبها عبد الله أموش ، في 8 يونيو 2009 الساعة: 11:43 ص

 

التكاملية وانعكاسها على فكر عبد الوهاب المسيري:
"الموسوعة نموذجا"
*      بقلم: عبد الله أموش
    الأستاذ عبد الوهاب المسيري وإن كان في زمن يُتحدث فيه عن التخصص والتخصص الدقيق، مع ذلك تفطن إلى أهمية فكرة الموسوعة وأهدافها الحضارية – كما هو الحال بالنسبة للرواد الأوائل- وما ذلك التفطن في اعتقادي إلا انعكاس نظريته ونظرته التكاملية على مجالات اشتغاله. فالموسوعة ليست فقط معلومات تاريخية ماضوية مقطوعة الصلة بالحاضر في صياغة رؤى المستقبل؛ بل هي الخزان المعلوماتي والمعرفي للفكر الإنساني والذاكرة الحية للأجيال، بل الوعاء الحامل لثقافة للحضارة ، ولهذا فان المعاجم والموسوعات تتسم بالأهمية بلغة، وبالخطورة في آن واحد، وقد حاول الأستاذ المقرئ أبو زيد في إحدى محاضراته في جمعية التجديد البحرينية –بعنوان الإسلام والموقف من الاخر - أن يبرز مكمن الخطر فيها. فأخذ على سبيل المثال تعريف الفلسطيني فبحثه في أكثر من 12 معجما غربيا مشهورا – (مثل oxford*robert*webster’s*la rousse) فوجد ما يلي الفلسطيني: ( همج؛ شخص فظ خشن؛ عدو..) إلا معجما واحدا. ولقد استقراء د: بهاء الدين الأميري هذه المعاجم والموسوعات الغربية فاستطاع أن يصل إلى مصدر هذه الاغاليط فوجد بأن الفلسطيني philistin
One of the allen war like people who occupied the southern sea coast of Palestine & constantly harssed the Israelites.( أي أحد أفراد الشعب المُتعطش للحرب الذي احتل الساحل الجنوبي لفلسطين في مواجهة عنيفة ومستمرة لشعب إسرائيل … )؛وفي معجم آخر( هو من نعتبره عدوا طبيعيا أو تقليديا لانتمائه إلى جماعة مقابلة/ نموذج آخر )؛وفي آخر ( شخص فظ خشن وهمجي تحركه الدوافع المادية لا القيم العقلية والثقافية )؛وفي معجم آخر (سوقي يفتقد التهذيب والذوق والحس الجمالي)؛ كما نجد في أخر (

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

محورية القيم في البناء الحضاري

كتبها عبد الله أموش ، في 27 مايو 2009 الساعة: 15:55 م

 

                    محورية القيم في البناء الحضاري
بقلم: *الطالب :عبد الله أموش* 2009/04/19
 
     تشكل القيم ومنظومة القيم العامل الأساسي في ارتقاء الأمم والحضارات، وفي انحدارها بغض النظر عن العوامل الأخرى التي قد تكون ثانوية وهامشية مساعدة."ولأننا حين نتحدث في عالم اليوم عن منظومة القيم، فإننا نمس مباشرة جوهر الإنسان من جهة، ومجال التدافع الحضاري الحقيقي من جهة ثانية "[1]. فلنظام القيم مركزيته ومحوريته الأساسية في البناء الحضاري على حد تعبير المفكر الموسوعي عبد الوهاب المسيري[2]، ولأهميته وملحاحيته الأساسية نحت المفكر المغربي المهدي المنجرة مقولته المشهورة في كتابه " قيمة القيم " جاء فيه: ( أن يعرف الإنسان قيمة القيم قيمة في حد ذاتها ).كما يرى (أن القيم أنزيمات التعلم المجدد). وهذا الأخير جوهر النهوض و المدخل الأساسي للرقي الحضاري، ولذلك كان خطاب السماء إلى العالمين *اقرأ* و على هذا الأساس يرى المفكر الجزائري مالك بن نبي أن: "الأمة التي لا تقرأ تموت قبل أوانها ".لكن اليوم تبين أن " الأمة التي تقرأ تموت في أجلها، أما التي لا تقرأ فتموت قبل ولادتها"[3].
    فإذا كان هذا شأن القيم، فلابد من الوقوف عند الموضوع باستدعاء كل الأسئلة التي من شأنها أن تساعدنا في تسليط الضوء على الجوانب المركزية للموضوع، و إعطاء الموضوع ما يستحق من قدر واهتمام.
     فعند الحديث عن القيم فلابد من استحضار سؤال الماهية و الجوهر "ما معنى القيم ؟" و عند حديثنا عن منظومة القيم و نسق القيم فلا بد من تفكيك هذا المركب، وإعادة تعريفه وتركيبه، ثم نعرج على خصائص القيم والاهتمام بموضوع القيم من ناحية ( البحث، و الدرس، و تأليف)، وعلى ضوء كل هذه الأسئلة سنستدعي سؤال التجديد في القيم باعتباره جوهر التحدي الحضاري، لنصل إلى النقطة المفصلية في الموضوع، والتي تتعلق بجوهر الإنسان، وسنستعرضفيه اتصال القيم بكينونة الإنسان وتركيبته البشرية بحيث ننظر إليه على أنه "آية قبل أن يكون آلة" على حد تعبير الفيلسوف المغربي طه عبد الرحمان[4].
القيم: المفهوم والماهية.
    في اللغة: قيمة الشيء: قدره و قيمة المتاع: ثمنه و يقال لفلان قيمة: ماله ثبات ودوام على الأمر والجمع قيم[5],ويجب أن ننبه إلى ما تنبه إليه الأستاذ سامي خشبة عند استعراضه لتعريف "القيمة""Value" والمدارس التي تتنازعها. في الأخير قال:(وينبغي أن نشير إلى أن مصطلح ((القيمة))هنا لا علاقة له بمصطلح (( القيم )) Morals- ودلالته الأخلاقية والاجتماعية أساسا الذي يستحسن أن نجعله ((منظومة القيم)) حتى نتغلب على إحدى المشاكل الدلالية التي تثيرها أحيانا المفردات المحدودة للغة)[6].وتجدر الإشارة إلى أن القيم أوسع من الأخلاق، بحيث أننا نتحدث عن قيمة الزمن ولا نتحدث عن أخلاق الزمن..إلخ، هذا من ناحية المقاربة اللغوية للمصطلح. أما إذا حاولنا مقاربة المصطلح من الناحية المفاهمية الاصطلاحية فسنجد كثرة التعريفات المتنوعة التي تدل على اتسام المفهوم بطابع انسيابي من مجال إلى مجال، ومن تخصص إلى تخصص.
     فالقيم ما هي إلا انعكاس للأسلوب الذي يفكر الأشخاص به في ثقافة معينة، وفي فترة زمنية معينة. كما أنها هي التي توجه سلوك الأفراد وأحكامهم واتجاهاتهم فيما يتصل بما هو مرغوب فيه أو مرغوب عنه من أشكال السلوك في ضوء ما يضعه المجتمع من قواعد ومعايير. وقد تتجاوز الأهداف المباشرة للسلوك إلى تحديد الغايات المثلى في الحياة ، فهي على حد تعبير " روكيش" , إحدى المؤشراتالهامة لنوعية الحياة ، ومستوى الرقي ، أو التحضر في مجتمع من المجتمعات[7] أو بتعبير بسيط عند الأستاذ أمحمد الطلابي:" إطار نسقي أو منظومة عقدية و دينية أو فلسفية مفضلة عند حضارة أو شعب ما ، تتجدر كثقافة تصنع أسلوب الحياة . وتتحدد وفقها تصورات الكون و الطبيعة و التاريخ وحتى الوجود". بل يرى الأستاذ المهدي المنجرة أن "المفهوم القيمي ، ينبع من صلب بناء المجتمع، وفيه إنتاج وابتكار وتجديد، مادمنا لم نمس الأركان …؛ فالإسلام لم يأت عقيدة فقط؛ بل فلسفة حياة وتركيب عقلانيا، ومعاملات وأخلاق…"[8]
     وعند تعريفنا للقيم نصمها بأنها نسق أو منظومة[9] و بالتالي سنتوقف عند دلالة المصطلح و سبب ظهوره.
مفهوم نسق القيم
      انبثقت فكرة نسق القيم من تصور مؤداه أنه لا يمكن دراسة قيمة معينة أو فهمها بمعزل عن القيم الأخرى، فهناك مدرج أو نسق هرمي تنتظم به القيم مرتبة حسب أهميتها بالنسبة للفرد و الجماعة[10].
   ويقصد بنسق القيم " مجموعة القيم المترابطة التي تنظم سلوك الفرد وتصرفاته، ويتم ذلك دون وعي الفرد". وبتعبير آخر هو " عبارة عن الترتيب الهرمي لمجموعة من القيم التي يتبنها الفرد ، أو أفراد المجتمع ، ويحكم سلوكه أو سلوكهم دون الوعي بذلك"[11] أو كما يعرفها الأستاذ عبد اللطيف محمد خليفة بقوله نسق القيم هو : " عبارة عن البناء أو التنظيم الشامل لقيم الفرد ، و تمثل كل قيمة في هذا النسق عنصرا من عناصره ، وتتفاعل هذه العناصر معا لتؤدي وظيفة معينة بالنسبة للفرد[12]. ويمكن أن نجتهد في صياغة تعريف متكامل يجمع شذرات ما تفرق في كل هذه التعريفات، وبالتالي نرى أن نسق أو منظومة القيم هو: " نظام متكامل وهيكل هرمي وشبكة تنتظم فيها قيم مفضلة عند شعب من الشعوب، تتوافق عليها العقول السوية، و تقبلها الطباع السليمة . تساعد على صياغة سلوكياتهم وتصوراتهم للكون و الطبيعة و الإنسان".
الاهتمام بالقيم ( البحث و الدرس و التأليف)
    إن من ضمن ما تأسف عليه الأستاذ عبد الجبار الرفاعي وله علاقة بموضوع القيم هو قلة الاهتمام بعلم الأخلاق والقيم كفن مستقل إن لم نقل بانعدام التأليف فيه، فلا يوجد فيه إلا النزر اليسير على رفوف المكتبة الإسلامية التي استغرقتها كتابات ( الفقه، وعلوم القرآن، والحديث، والأصول ..). فالذي يرجع إلى الفهرست لابن النديم سيلاحظ هذه المفارقة العجيبة، سيتساءل ما هي المنظومة التي تأطر المسلم و توجه سلوكياته طول هذه المدة ؟ هذا سؤال في التاريخ. أما اليوم فسنطرح سؤال المنظومة المُوجّهة للأمة في عصر تحدي العولمة؟ وكم أعجبني ما قاله الأستاذ رضوان السيد:" فعلى شراسة الأعداء الذين واجههم الإسلام وحضارته في الماضي، لم يسبق أن واجه خصماَ غير مشخص هو الثورة التكنولوجية. لذلك تبدو دروس الماضي في المجال قليلة الجدوى، إذ لا يمكن قياس الحاضر على الماضي لفقد بعض عناصر المقارنة أو المقاربة في الأكثر الأعم "[13]
   ومن باب الإنصاف القول بأن أقدم من كتب في هذا العلم كفن مستقل ابن مسكويه في كتابه ( تهذيب الأخلاق ). وما قلناه على المكتبة الإسلامية يصدق على الخزانة العالمية إذ لم يظهر الاهتمام بهذا الميدان إلا مؤخرا وسنقف عند أسباب ذلك.
 يرى لفيتون أن" تأخر الاهتمام بدراسة القيم داخل مجال علم النفس يرجع إلى اعتقاد لدى علماء النفس بأن دراسة الأحكام القيمية تقع خارج نطاق الفحوصات الامبريقية "[14]. وأقدم من بحث في موضوع الأخلاق الفيلسوف أرسطو في كتابه "رسالة الأخلاق" من الناحية الفلسفية. بمعنى أن الموضوع كان مجال اشتغال الدين باعتباره رسالة في الأخلاق.
    ولأهمية القيم فقد أخذ هذا الموضوع يفرض نفسه على كل مفكر حر يحترم كينونة وإنسانية الإنسان. فموضوع القيم اليوم من الموضوعات التي تقع في دائرة اهتمام العديد من التخصصات : كالفلسفة، والدين، والتربية، والاقتصاد، وعلم الاجتماع، وعلم النفس.
   وقد حظيت بنوع من البحث المكثف مع بزوغ شمس القرن العشرين حيث بدأت التباشير المبكرة لقيام علم النفس الاجتماعي الذي يختلف عن الدراسات الاجتماعية في أنه يركز الجهد على همزة الوصل بين الفرد والمجتمع وقبل هذا القرن أي النصف الثاني من القرن التاسع عشر بدأ علماء الانثروبولوجيا الحضارية وعلماء الاجتماع يضمون جهودهم إلى جهود الفلاسفة. ثم إن علم النفس الاجتماعي استطاع أن : يقف على قدميه و يبدأ خطواته الطموح نحو دراسة موضوعات بالغة التعقيد جاء في مقدمتها موضوع القيم.[15]
    وإسهاما في إثراء المكتبة العربية والإسلامية بكتابات معرفية حول القيم، والأخلاق نجد من ضمن القلائل الذي أسهموا في البناء كل من : عبد الله دراز " دستور الأخلاق " وان أخذ كتابه بمنطق المقاربات والمقارنات. مصطفى العدوي" فقه الأخلاق ". وكان عبارة عن محاولة لإضفاء ولإصباغ المعاملات بالأخلاقيات، وكذلك فعل د.يوسف القرضاوي " دور القيم والأخلاق في الاقتصاد الإسلامي . عبد اللطيف محمد خليفة " ارتقاء القيم " ضمن سلسلة عالم المعرفة. المهدي المنجرة " قيمة القيم "؛ كتابات عبد الوهاب المسيري وعلى وجه الخصوص " دفاع عن الإنسان" الأستاذ محمد بلبشير الحسيني " مدونة القيم من القرآن و السنة"، محمد الغزالي "أخلاق المسلم ". ولعل الذي حمل العلماء على البحث في موضوع القيم كما سنشير إليه في حينه، الطلب المتزايد على القيم؛ وكذلك التفوق التكنولوجي و الخواء الروحي.
القيم:الأقسام و الأنواع
    وتنقسم القيم بين البشر، وهي قيم التواصل و التكامل و المساواة، إلى قيم أخلاقية واجتماعية وآداب إنسانية [16] . ويرى الأستاذ طه جابر العلواني بأن الفلاسفة قسموا القيم إلى ثلاثة أنواع : قيم الحق، قيم الخير، قيم الجمال[17]. ويرجع الاختلاف في أنواع القيم – وان لم يكن المشكل يمس الجوهر- إلى الاختلاف في تقدير القيم في حد ذاتها وقد استعرض الأستاذ "سامي خشبة" رؤى كل من الرومانتيكين والمثاليين لمسألة القيم إلى حد وصل ببعضهم إلى طرح سؤال : هل يمكن تحديد قيمة للحب و الجمال أوالوطنية ؟ [18].
القيم: المصدر و المنبع
   يرى الأستاذ العلواني بأن مصدر القيم عند الغربيين من، العقل فقط . أما عند المسلمين فمن الوحي و الوجود معا[19]. بينما يرى الأستاذ بلبشير بأنها " تنحصر في مصدرين اثنين : مصدر علوي وردت قيمه على الإنسان عن طريق الشرائع السماوية ومنها الإسلام، ومصدر بشري يبدع قيمه رواد من المفكرين والفاعلين في حقول السياسة والاقتصاد والاجتماع والتربية، و تزكيها الشعوب تارة وترفضها تارة أخرى. وتلتقي قيم المصدرين في أغلب القيم المعروفة، ولكن المصدرين يختلفان في المعيارية و المصداقية.[20]
القيم : الخصائص و المميزات.
   تتميز القيم بخصائص مهمة يمكن إجمالها حسب مستخلصات التعريفات في ما يلي :
1- القيم تكون مفضلة عند الحضارات.
2- القيم تنظم المجتمع وتحفظ استقراره.
3- منظومة القيم هي النواة الصلبة التي تستعصي على الذوبان.
4- القيم تصوغ رؤى وتصورات المجتمعات.
5- القيم تكون مستساغة و مقبولة عند العقول السوية.
6- القيم تتميز بالاستقرار النسبي.
7- القيم تعطينا صورة عن طريقة تفكير المجتمعات.
8- القيم لها رمزية معنوية و سلطة ثاوية في توجيه سلوكيات المجتمع بوعي أو بدون وعي.
9- المجتمع بدون قيم مؤذن بخراب عمرانه.
القيم وسؤال الملحاحية:
   لأهمية نظام القيم ومركزيته في البناء الحضاري دعا المفكر عبد الوهاب المسيري إلى : "صياغة عقد اجتماعي جديد" الذي ينطلق من القيم الأخلاقية المشتركة بين الإسلام والمسيحية بل وبين المنظومات الأخلاقية التي لا تستند إلى المرجعية الدينية[21]. والذي أعاد سؤال القيم إلى الوجهة مجموعة من الأمور، عدها الدكتور نبيل علي[22] في أربعة أموركما يلي:
1-المعلومات وتكنولوجيتها النظيفة.
2- نجاح تكنولوجي وخواء روحي.
3- كلفة باهضة جاء فيها: لقد ارتكب حضارة العصر تلك الخطايا التي حذرنا منها المهاتما غاندي : سياسة بلا مبادئ، وتجارة بلا أخلاق، وثروة بلا عمل، وتعليم بلا تربية، وعلم بلا ضمير، وعبادة بلا تضحية ..
ثم يعرج إلى السبب الرابع الذي له ملحاحية كبرى وهو:
4- الطلب المتزايد على القيم الأخلاقية: واستعرض فيه ما يلي : " دار الصراع بين الدين وفكر عصر التنوير، الذي أخرج أوربا من ظلمة العصور الوسطى على جبهة المعتقدات، فيما يخص نشأة الكون وخلق الإنسان بصفة أساسية. وعلى ما يبدو فالمواجهة بين الدين وفكر عصر المعلومات ستدور رحاها، على جبهة القيم والأخلاق بصفة أساسية ".
    إن المطلع على الكتابات الغربية وحتى العربية في الآونة الأخيرة ليجدها تركز على منظومة القيم في محاولة منها لإحياء التراث القيمي. فصرنا نتحدث عن أخلاقيات العلم[23]، وأخلاقيات الانترنيت، وأخلاقيات الطبيعة..وهلم جر من أخلاقيات لم

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

كفى للغناء الإسلامي إن لم يكن من أجل بناء القيم الانسانية المشتركة

كتبها عبد الله أموش ، في 31 مارس 2009 الساعة: 23:16 م

 

     لقد أضحى الغناء الإسلامي (الأنشودة الإسلامية) أمام عدة خيارات في ظرفنا الراهن, بعد القطع مع مرحلة التأصيل و بعد تجاوز التفريق الذي استمر لحين من الدهر: التفريق بين الغناء و الأنشودة.

     فهو أمام خيار إخلاء الساحة وإن كان هذا الخيار صعب المنال بعد الشهرة التي لقيها هذا النوع من الفنون وبعد شهرة ممارسيه في العالم الإسلامي والغربي- سامي يوسف نموذجا.

     أو أمام خيار الاستمرار في الساحة و الاستمرار على نفس الأغراض الغنائية المعتادة (التي كانت بديلا عن الغناء الماجن في وقت من الأوقات):أغراض ذكر الله مدح الرسول, القضية الفلسطينية.

    أو أمام الخيار الذي يلوح في الأفق, وهو خيار الانتقال من التغني بالأغراض المحدودة التي ذكرناها إلى التغني بالقيم الإنسانية المشتركة – التي أهملت و لا نجد لها صدى إلا عند فنانين وعوها و نذروا أنفسهم لنشرها و الدود عنها وهم النزر اليسير – قيم الجمال, قيم الحب و الفضيلة, قيم الحرية, والكرامة, والتحرر التضامن, والديمقراطية, والمع

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

مواطنون لا رعايا

كتبها عبد الله أموش ، في 5 مارس 2009 الساعة: 10:40 ص

 

 

 

مواطنون لا رعايا[1]

 

 

الطالب:أموش عبد الله amouch.5@hotmail.com

 

    وحدها الحيوانات { الدواب و الأنعام } هي التي تُرعى وتُساق وهي طائعة مطيعة ” كلوا وارعوا أنعامكم “. أما الإنسان فهو مكرم إلى درجة تغنينا عن استدعاء، و ذكر كل الآيات التي تصرح بتكريمه. إذ يكفي فقط القول بأن الرؤية القرآنية التي تكونها كليات أساسية تتماشى وهذا الطرح.

  فالرعاية غير العناية،و بينهما بون شديد ، و لاستجلاء هذا البون يكفي أن توجه هذا السؤال إلى أحد  معارفك أو أحبائك : في العالم العربي و الإسلامي هل يعتني بنا حكامنا كمواطنين أم يرعوننا ونحن طائعين  ؟

  يكفي أن تنظر إلى واقع هذه الدول وستعرف كل شيء، فلسان الحال ينطق بما نخاف أن نصرح به، وفي احد المجالس الفكرية طرحت نفس السؤال على الحاضرين فبان لهم الفرق الصارخ و انكشفت الفجوة، لكن لا أحد يقوى على ردمها. أنظر إلى عناية الأم بأبنائها و ما فيها من العطف و الحنان وقارن ذاك بما نحن فيه.

     فنحن مواطنين – مفاعلة بين الوطن و المواطن، و لسنا رعايا أحد، ولا رعية فلان أوعلال، و بالتالي يجب التخلص من هذه المصطلحات المشينة  لما فيها، و سيأتيك البيان.

    نحن مواطنين و لسنا رعايا أو” رعاع” كما يحلو لليبمان أن يطلق على تلك الغالبية العظمى من السكان التي تسوسهم أقلية نافذة، و لا يراد لهم المشاركة في التدبير.

   فالمراد من الحكام و المسؤولين أن يعتنوا بشعوبهم من ناحية إشراكهم في صنع القرار أولاً، ومن ناحية احترام إرادتهم الحرة التي يعبرون عنها أخيرا وليس أخير استمداد العمق الجماهيري منهم . فمن الإهانة أن يعبر الشعب عن إرادته في مسألة معينة ثم نأتي لنضرب بها عرض الحائط، ونحرف تلك الإرادة لحاجة في نفس يعقوب.

     لكن ونحن في  مقاربتنا لهذا الموضوع قد  نتصادم مع تراثا[2] . قد نتصادم  مع أمور قد يكون من شأنها أن تعرقل ما نصبوا إلى توضيحه، وتلك هي مشكلتنا مع تراثنا.

     ولتفادي تلكم العرقلة منهجينا سنستدعي- من ضمن ما نستدعيه- العرض على الرؤية القرآنية أو لنقل استدعاء الكليات الأساسية بناء على الوحدة العضوية و كلية النص فكلها مدلولات متناسقة ومتكاملة تتشعب عند رجال الفكر والمعرفة من ناحية الاستعمال والتداول.

   و نذكر بأن من رجال الفكر الذين تعرضوا لهذا الموضوع بطريقة مباشرة المفكر محمد أبو القاسم حاج حمد ففي  محاولته استجلاء حقيقة الدس اليهودي على الأمة العالمية ، نجده في مبحث معنون “بظاهرة التحذير ومؤشراته” يقول كلاماً في غاية من النفاسة - وسأنقل كلامه ولو بشي من الطول –تعميما للفائدة:{ لم يأت القرآن بالتحذير دون إرشاد لموطنه وكيفيته . لهذا اختار الله موضوعا أورده في سياق النسخ و موقف اليهود، لنتوقف على كيفية الدس ” يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا و اسمعوا و للكافرين عذاب أليم” 104 البقرة  [3] . فهذا القول يقوله المسلمون صباح مساء و ينسبونه إلى حديث نبوي يكاد يكون مجمعا عليه { كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته } و يتردد الحديث بحسن نية في حين أن الله نهى عنه و تخصيصا في سياق النسخ لتجربة اليهود [4]، فالمراعاة و الرعي هي من علاقة راعي البهائم بها . يسمنها ليبيعها  و ذبحها وهي طائعة له وخاضعة يقودها بعصاه. فجعلوا الرسول صلى الله عليه وسلم راعيا و من الصحابة و المؤمنين بهائماً . في حين أن الله وفي القرآن لا يستخدم سوى العين و العناية  }[5]و سنأتي إلى إتمام قول الدكتور بعد التأكيد على مسألة مهمة وهي أن البعض قد يعترض على مثل هذا التحليل وقد يقول بأن المقصود من التحذير أن اليهود كانوا يقولون هذا اللفظ أي ” راعنا” للرسول بقصد السب والشتم، لكن أياً كان السبب فلا يمكن أن نمتنع عن ذلك في زمنه صلى الله عليه وسلم  ثم نحدثه من بعده. وفي ما سبق نتأكد بما لا يدع مجالا للشك بأن القرآن الكريم يقرر مبدأ العناية، ويرفض بالبث و المطلق ما نردده في كل حين من الرعاية. فهي إذن كليات قرآنية بدون أسلوب تعضيني لكتاب الله تقرر ذلك وبدون نسخ ولا تخصيص كذلك.

    ليواصل الدكتور حاج حمد تحليله{ واصنع الفلك بأعيننا ووحينا و لا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون } 37 سورة هود. { أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم فليلقيه اليم بالساحل يأخذه عد ولي وعدو له و ألقيت عليك محبة مني ولتصنع علي عيني }39سورة طه.

  ليخلص إلى ما يلي: أن { المطلوب من المسلم بناء على الآيات المذكورة سالفا هو القول بعناية الله وفي عين الله و ليس برعاية الله سبحانه ، فعلاقة الله والأنبياء بالبشر لا تتدنى لمستوى النعوت اليهودية التي حذر الله منها تحذيرا يستبطن نوعية الدس وكيفيته }.

    بل يرى أن من خطورة الأمر أعاد الله سبحانه التركيز عليه في سياق أخر ضمن سورة النساء { ومن الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين و لو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرا لهم و أقوم و لكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا 46 يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارهم أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت و كان أمر الله مفعولا }47النساء، وجعل الله بديلا لراعنا مفردة انظرنا التي تتصل بالعين و العناية الإنسانية و الربانية خروجا على العلاقات البهيمية ، ومع ذلك يردد الناس { كلكم راع و كلكم مسؤول هن رعيته } دون الاستجابة للآيات في مصدرين من السور و دون الالتفاف إلى غضب الله على اليهود و تهديده لهم باللعنة مجددا.[6]

     إذن قد يتعلق  الأمر بدس يهودي كما يتجلى نفس الأمر في كلمة ومصطلح “الرعاع” عند ليبمان .فالرؤية القرآنية ترفض بكليات واضحات الرعاية وتقديم لنا البديل السليم” العناية”.

     بالتالي يمكن في خضم ما ذكرنه أنفا أن نعرض ذاك الحديث على الكليات القرآنية فقد يكون من دسائس اليهود ، غير أن الحاج حمد رأى أكثر من ذلك فقال : هؤلاء دسوا ما هو أخطر من راعنا ووكلكم راع حين تحريف معنى النسخ ليجعلوه تناسخا بين آيات القرآن نفسه. ثم تناسخا بين النسخ في القرآن و السنة النبوية لإبطال شرعة التخفيف و الرحمة مما يعني أن الرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم هو على شرعة الإصر و الأغلال و بالتالي ليس هو الموعود من عند الله حتى يلزم إتباعه و ما من منهج يكذب نبوة محمد صلى الله عليه وسلم مثل هذا المنهج .

  لدى يجب عرض حديث” كلكم راع” على رؤية القران فهو المنهج الكفيل للخروج من هذا المأزق. فالدكتور أحمد الريسوني يرى أن العرض ضروري عند تعارض حديث مع كليات القران ، فهو ذات المنهج الذي استعان به ليخلص إلى ما يلي في الردة : { وبهذا يظهر أن موجبات قتل المرتد ، هي ما يقترن بالردة من الخروج عن الجماعة و حمل للسيف عليها…وليخلص كذلك إلى التالي : { فقضية ” لا إكراه في الدين ” هي قضية كلية محكمة ، عامة تامة ، سارية على أول الزمان و آخره ، وسارية على المشرك و الكتابي ، سارية على الرجال و النساء ، سارية قبل الدخول في الإسلام ، وبعده ، …[7]هذا ليس المجال لتفصيل مثل هذه الأمور بقدر ما يهمنا تتبيث المنهج .

   وقد نذهب في نهج الدكتور أحمد الريسوني إذ يرى :{ أن النهج الصحيح و المسلك القويم هو التمسك بالكليات على كلياتها و إحكامها ، و بالعمومات على عمومها و إطلاقها ، وعدم إبطال شيء منها أو معارضته، بدعوى نسخ،  أو تخصيص ، أو تقييد إلا بحجة و برهان صحيح لا ريب فيه }[8] .

    إذن بذات المنهج نستعين ، فالحديث حديث رسول الله في مقابلة رؤية قرآنية تشكلت من عدة آيات بينات ، وبنفس المنطق يرى الأستاذ جمال البنأ “أن ليس من معيار يمكن أن يفصل لنا في هذا المجال سوى القرآن ، فالموضوع هو حديث الرسول وليس هناك ما يسامي هذا في أقوال البشر . ولابد أن نذهب إلى القرآن رأسا حتى تطمئن القلوب و يزول ما يمكن أن يعرض لها من غضاضة أو تردد”.[9]

   وعليه فبناء على كل ما ورد لا نجد غضاضة في التمسك بكلية النص في مقابلة ذاك الحديث .

  وهذه مناسبة فريدة لمراجعة تلك المقولة الشائعة الصيت” لا مشاحة في الاصطلاح ” خصوصا ونحن في زمن حرب المصطلحات التي يمكن أن تكون فيها للمصطلحات طبيعة مطاطية “انسيابية” من مجال إلى آخر ولهذا أبى صناع القرار الوقوف عند كلمة “الإرهاب” من أجل التدقيق  المصطلحي لذلك نجدها بالمقاس الأوروبي أو الأمريكي . فهناك مشاحة في المصطلح ونحن مطالبون بإقامة المصطلح الأم[10] وضبط المفاهيم.فمصطلح الرعاية فيه مشاحة مع مصطلح العناية ، كما أن بين مصطلح الديمقراطية و مصطلح الشورى مشاحة فلكل مصطلح حمولته المعرفية و المنهجية ولا يسلم من الانحياز .

  فعند الرجوع إلى رحاب الدكتور محمد أبو

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

سنة المقاومة الطالب:أموش عبد الله

كتبها عبد الله أموش ، في 25 فبراير 2009 الساعة: 13:40 م

                                     

سنة المقاومة

الطالب:أموش عبد الله amouch.5@hotmail.com

 

      يستعرض هذا المقال سنة من سنن الله في كونه. سنة المقاومة, التي تكسر كل القابليات, وتحدث إخلالا كبيرا في ميزان صراع الإرادات.  بأرض فلسطين مقاومة, وبأرض العراق مقاومة,وبأفغانستان مقاومة مادام المحتل جاثما على الأرض.

      فتعد مقاومة المحتل المغتصب في كل الشرائع و الملل عملا بطوليا مشرفا مهما كانت طبيعة الغاصب المعتدي من حيث الفكر و الجنس, ومهما كان هذا المقاوم من حيث الهدف والتوجه. وكل الشعوب البشرية تفاخر بشهدائها, وتقدس دماءهم الزكية اللاهبة بالنصب التذكارية و الأعياد السنوية كطبيعة لفطرة الإنسان وميوله نحو الحرية و العدالة و مقاومة الاستبداد.[1]

     فالفطرة الإنسانية تأبى الخنوع و الخضوع, هذا ما أدرك عمر بن الخطاب رضي الله عنه أبعاده حين قال: {متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا} وفي مقولة علي بن أبي طالب  رضي الله عنه تجسد لتلك الأبعاد  حين قال :{ إن الله خلقكم أحرارا فلا تكونوا عبيدا}.

    فإذن الحرية الإنسانية قيمة مقدسة في ميزان القيم الكونية المشتركة, و بالتالي تستحق قيمة التضحية و المقاومة من أجلها, وهذا مما لا تعارضه العقول السوية.  و من هذا المنطلق يمكن أن نعتبر سنة المقاومة ثقافة تعزز الإرادة و التصميم. و يمكن أن نمثل لسنة المقاومة – إن لم نقل أن لهما نفس الدور – بذلك الجهاز المناعتي الذي يقاوم بمجرد دخول أو اقتحام الجرثوم الغريب للجسم. فهي بمثابة عملية رياضية, الاعتداء يجابه بالمقاومة.

   هذه السنة الكونية هي التي تسير وفقها تلك الدجاجة التي لا حول لها ولا قوة و هي تقاوم المعتدي على فراخها, وهي نفس السنة التي يسير وفقها جهاز المناعة الداخلي, كما أنها هي عين السنة التي يسير وفقها المجاهد في سبيل تحرير والدود عن مقدسات وطنه وأمته. كما أنها تتجلى في قانون الدفاع الشرعي عن النفس.

     وقد يكون من قبيل الانتحار التاريخي و الموت الحضاري أن يقع العدوان على دولة ما فتستقبل المحتل بالورود والزهور و تعبد له الطريق من أجل الدخول دون أية ردة فعل .

     كما أنه من باب الانتحار و الموت الرحيم أن يدخل جسم غريب إلى جسم الإنسان دون أن يتحرك جهاز المناعة من أجل الدفاع عن الجسم, فهذا غير منطقي, و لا يستوي في ميزان السنن الكونية.

   وإذا كانت المقاومة سنة كونية, فإنه لا يمكن أن تنفك عن إحدى الاتجاهين: الاتجاه الايجابي أوالإتجاه السلبي.

المقاومة السلبية:

هذا ما فعله غاندي { 1869- 1948} بمقاومته السلبية, ومقاطعته للعادات و المنتجات الأوربية, وحمله الهنود على هذا الأسلوب رغم تخلفهم, وعدم وجود قرار يدعمهم ..حتى أتت تلك الجهود أكلها و أعلنت بريطانيا سحب آخر جندي انجليزي من الهند سنة 1947م [2]

المقاومة الايجابية:

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

مع عبد الجبار الرفاعي - المفكر و المثقف

كتبها عبد الله أموش ، في 29 نوفمبر 2008 الساعة: 16:22 م

     
 

كلمة التحرير/ انقاذ النزعة الانسانية في الدين

 

د. عبد الجبار الرفاعي
ظل نصيب التأليف في الاخلاق هو الأقل مقارنة بغيره من المعارف والفنون في تراثنا المدون بالعربية, فحين نراجع ((الفهرست)) لابن النديم وماتلاه من فهرستات ومراجع ببليوغرافية, اهتمت باستقراء وتصنيف الكتب, نجد التفسير وعلوم القرآن والحديث والشريعة واللغة العربية وآدابها وعلم الكلام والفلسفة والمنطق وغيرها, احتلت حيزا واسعا من عناوين المؤلفات المذكورة في تلك المراجع, بينما لانعثر على مدونات مستقلة تعالج البحث النظري في الاخلاق او الفلسفة الاخلاقية في الفترة المبكرة من عصر التدوين. وان انبثقت مفاهيم كلامية تتصل بالاخلاق في فضاء التفكير الكلامي, وترتبط بالتأمل في نصوص الكتاب والسنة, وتنامي الجدل بين الفرق والمذاهب المتنوعة. ثم بدأت تتسرب بالتدريج الآراء الأخلاقية اليونانية والرواقية والاسكندرانية الى المسلمين, منذ ان تعرفوا على تراث اثينا والاسكندرية من خلال الترجمة . وأفضت تأثيرات هذه الآراء فيما بعد الى ان يؤلف المؤرخ والفيلسوف المعروف مسكويه في القرن الرابع الهجري كتابه ((تهذيب الاخلاق)) الذي دشن أرضية تأسيس علم جديد بموازاة العلوم والمعارف الاخرى في المجال الاسلامي. فقد رفع مسكويه الاخلاق أو البحث فيها الى مرتبة العلم الكامل (وفرض بذلك في المجال الاسلامي اختصاصا فكريا موازيا لذلك الاختصاص الذي فرضه أرسطو في اليونان الكلاسيكية, عندما كتب ((رسالة في الاخلاق الى نيكاماخوس)). والواقع ان كتاب ((التهذيب)) يستعيد جوهر نظرية أرسطو) .وجرى استدعاء المواضيع الأساسية لكتاب مسكويه في آثار لاحقة, بعد ان تم (دمج الجانب الفلسفي بالجانب الديني والصوفي) , وخلعت عليها صبغة اسلامية في ((ميزان العمل)) للغزالي, و((أدب الدنيا والدين)) للماوردي, و((الاخلاق والسير)) لابن حزم.
اما المحاولات الحديثة والمعاصرة في هذا الاتجاه, فلما تزل محدودة وضئيلة مقارنة بالمتطلبات الاخلاقية الملحة لمجتمعاتنا, التي تجتاحها أعاصير وموجات تقوض بناها التقليدية وتسوقها نحو فوضى شاملة ومصائر مجهولة.
ولعل أبرز هذه المحاولات هي رسالة قدمها محمد عبد الله دراز لجامعة السوربون بباريس سنة 1947 بعنوان Lamorala du koran ((اخلاق القرآن )) لنيل شهادة الدكتوراه, وترجمت الى العربية باسم((دستور الاخلاق في القرآن)). وقد تحكمت في رؤيته لـ ((أخلاق القرآن)) قضايا مرجعيتها الاخلاق الكانتية, والتي محورها: فكرة((الواجب)) أو ((الالزام الاخلاقي)) أو ((القانون الاخلاقي)). وبذلك لاتغدو هذه الرسالة سوى مسعى لمعيار القضايا الاخلاقية/ الحقوقية المعاصرة للمؤلف في ضوء القرآن, وليست مسعى لصياغة ((اخلاق القرآن)) .
وفي سنة 2000 أصدر الدكتور طه عبد الرحمن ((سؤال الأخلاق)). وهو كما يتحدث عنوانه الشارح((مساهمة في النقد الاخلاقي للحداثة الغربية)). وبالرغم من استعانة المؤلف بمعطيات الفكر الغربي وتوظيفه لأدواته المنهاجية, مثلما يفعل في جميع اعماله, غير انه يتسلح برؤية ايديولوجية سلفية متحيزة, تستعير خطاب تيارات مابعد الحداثة المناهضة للعقلانية والتنوير, وتحرص على اصطناع صورة ممسوخة مجتزأة زائفة للحداثة,وتحاول تنزيه الذات ، وتبجيل الماضي بتمامه، ورؤية التراث من منظور رومانسي حالم، واعتبار كل شئ فيه جميلا منزها, ومضيئا ساطعا .

الانسان كائن متدين :
الدين ظاهرة واكبت تاريخ البشرية منذ وجودها على سطح الارض, والانسان كائن متدين, وان تباينت تعبيراته عن تدينه, واختلفت تجليات ومظاهر الدين في حياته. ومع ان طائفة من الفلاسفة والمفكرين تنبأوا بانحسار تأثير الدين كعامل محرك للحياة, وربما زواله نهائيا بعد دخول الانسان عصر العلم, واكتشافه للكثير من قوانين الطبيعة, وتفسيره لما كان يحسبه أسرارا وألغازا تستعصي على العقل, الا اننا نشاهد عودة للمقدس, اوإنتقاما لله لنفسه, وانبعاثا للعامل الديني، في المجتمعات الصناعية التي دخلت عصر العلم منذ فترة طويلة . كذلك لم يتراجع تأثير الدين في مجتمعاتنا, بل انطلق عاصفا ليجتاح كافة مجالات الحياة التي لبث شيء منها مدة طويلة بمنأى عنه. وحتى اولئك الذين يعلنون رفضهم واقلاعهم من كل فكرة أوشعور ديني, لايستطيعون الافلات التام من ترسبات الدين الغاطسة في لاوعيهم, والموروثة من سلالاتهم العريقة والاجيال المنحدرين منها. يكتب مرسيا الياد: (الانسان غير الديني ينحدر من سلالة الانسان الديني, وهو صنيعته ايضا, اراد ذلك أم لم يرد, وقد تكوّن انطلاقا من أوضاع اتخذها اسلافه… ان الانسان الدنيوي, أراد ذلك أم لم يرد, لم يزل يحتفظ بآثار من سلوك الانسان الديني, لكنها خالية من المعاني الدينية. مهما فعل فهو وارث, لايستطيع ان يلغي ماضيه نهائيا مادام هو نفسه نتاجا لهذا الماضي … الغالبية العظمى من الذين لادين لهم ليسوا متحررين تماما من المسلك الديني, من اللاهوت والميثولوجيا, فهم احيانا مثقلون بكل((لخبطة)) سحرية ـــ دينية, لكنها منحطة الى درجة الكاريكاتور, ولهذا كان من الصعب التعرف عليها) .
ان حياة مفرغة من أية مشاعر دينية, أو مستغنية بشكل تام عن المتطلبات المعنوية للانسان, ولاتصبو للمتعالي, ولاتتوق للامتناهي, ولاتسعى لقول ما لايمكن قوله, او التعبير عن ما لايمكن التعبير عنه, أو تصور ما لايمكن تصوره, ان مثل هذه الحياة لاتتسع لها ارضنا, ذلك انه حتى في أحرص المجتمعات على العلمنة, واشدها اصرارا على نبذ الرموز الدينية, يمكن لرجل اعمال مثلا أو سياسي ان يقبل بإخلاص قواعد الحياة العائلية التي يشرعنها الدين, بينما يسير اعماله في الوقت نفسه في الدائرة العمومية من دون الرجوع لأية قيم دينية مهما كانت, بل ان انتشار العلمنة وشيوعها في الحياة اليومية, لم يمنع من حضور رموز دينية مرتبطة بمؤسسات الدولة والاسرة, فمثلا حيث يقبل جميع الناس ان لايتخطى الدين ابواب الكنيسة, يمكن ان يقبلوا وبالطريقة نفسها ان لاتخاض حرب ولايُقدم على زواج دون اللجوء الى الرموز الدينية التقليدية .
ان حاجة الانسان الى الدين تنبثق من اعماقه, وحتى لو اجتاحت بعض المجتمعات جائحة تناهض الدين ومايتصل به, فانها سرعان ما تضمحل وتعاود الظواهر الدينية حضورها الأبدي من جديد, وربما بفاعلية وضراوة. ففي القرن التاسع عشر تحدث فويرباخ, وماركس, ونيتشه, …وغيرهم, عن غياب الاله, أو ((موت الله)) حسب تعبير نيتشه, غير ان الله انتقم لنفسه, فعاد الايمان به يتسع بمرور الايام, وتحقق ماقاله اندريه مالرو:( ان القرن الحادي والعشرين سوف يكون روحيا أودينيا, أو انه لن يكون) . صحيح انه قد مات نمط التصور القروسطي للإله, وتشكلت صورة بديلة عنه. اما الله تعالى فإنه حي لايموت, وهو ظاهر ماغاب قط, وان كانت أنحاء تصورات الانسان عنه تموت وتغيب, لتحل بدلا عنها تصورات اخرى.
ومادامت حياة الانسان تفضي الى الموت, والانسان كائن يتوق للخلود وينشد الابدية بطبيعته, فلا يمكن ان يصل الى اليوم الذي يستغني فيه عن الدين, ذلك (ان كل مجتمع بشري يمثل في نهاية التحليل جمعية أُناس يتحالفون معا تجاه الموت, وتكون قوة الدين رهينة لمصداقية الرايات التي يضعها بين أيدي البشر عندما يواجهون الموت, أو على الأصح بينما يتسابقون نحوه) .
الدين هو المشروع البشري الذي يخلق كونا مقدسا, وان يضع الانسان نفسه في موضعها الصحيح بالنسبة الى العالم المقدس معناه حمايتها من تهديدات الفوضى الكابوسية, وان الخروج من ذلك الموضع يعنى الانزلاق نحو حافة الهاوية. ويذهب بيرجر الى (ان الدين أدى دورا فريدا في مشروع بناء عالم بشري. الدين هو الذي يسمح بفرض دلالاته الخاصة على الواقع بأكثر نجاعة, وعلى الوجه الاكمل. والدين يقتضي ان يسقط النظام البشري على مجموع الكون. وبعبارة اخرى, فالدين هو أجرأ محاولة في تصور الكون كله ذات دلالة بشرية) .
ومعنى ان يعيش الفرد في كنف دين خاص هو افتراض ان يعيش في سياق اجتماعي خاص, يمكن لهذا العالم الديني داخله ان يضمن مصداقيته, وحيث يكون ناموس الحياة الفكرية متماشيا في كثير أو قليل مع هذا العالم الديني يمثل الانفصال عن هذا العالم تهديدا باللاناموس .
ان مايجتاح الحياة البشرية من جراحات ورضوض, وما يستبد بها من قلق, وكل ما ينتجه هذا القلق من كوابيس وتوترات واضطراب, ليس بوسع الانسان الخلاص منه بالوفرة المادية والرفاه وارتفاع المستوى المعاشي, لان كل ذلك لاينتج طمأنينة انطولوجية, وأملا مفعما بالغبطة, وسكينة, واحلاما متسامية, وانسجاما مع الكون والعالم الذي يعيش فيه البشر. بيد ان الدين, وبما يخلعه على العالم من نظام رمزي, يصيره شفافا جميلا, يتساكن معه الانسان. اذ ان النظام الرمزي يمنح القيمة لمختلف المعاني التي تنطوي عليها التجليات المقدسة. وعندئذ يتبدى العالم مشبعا بالمعنى. وتعزز رمزية العالم من قيمته, عبر تراكم دلالات اضافية, من دون ان تنال من قيمته الخاصة. وهكذا تكشف كل فعاليات الانسان ونشاطاته عن معنى, ولاتعود كثيفة ومرهقة, فيما تبدو الاعمال الفيزيولوجية المجردة عن النظام الرمزي للعالم, عارية عن المضمون الروحي, وتغدو كثيفة ومرهقة, وربما ليست ذات جدوى . واذا كان ( اصل الدين هو الشعور بالتبعية ) حسب شلاير ماخر, فان الدين يحررنا من الاغتراب الكوني, باعتباره نافذة نحو المتعالي, ووصال دائمي معه, وبالتالي إرتباط بوشيجة عضوية انطولوجية بالعالم.

تدين ضد الدين :
في اللحظات التي أكتب فيها هذه الأسطر_ يوم الثلاثاء 24/4/2006_ هاتفني ولدي محمد حسين الذي يدرس تكنولوجيا المعلومات في الجامعة المستنصرية ببغداد, فأخبرني بأن سيارتين مفخختين انفجرتا عند بوابة جامعتهم ظهر هذا اليوم_ لحظة دخوله_ فغرق وزملاؤه في حالة فزع وذهول مفجعة, بعد ان تناثرت اشلاء رفاقهم عند البوابة, وفاضت ارواحهم الزكية، لترسم دماؤهم على احجار الممرات المؤدية الى الفناء الداخلي لمباني الجامعة صورة أبدية، تكشف ما يتعمد التستر عليه ذلك النموذج اللانساني للتدين. لقد حفرت أشلاء اولئك الفتية احتجاجا مدويا، يخاطب الأجيال الآتية في بلدنا الذبيح, فهؤلاء الفتية يكتبون التاريخ بدمائهم, ويصرخون بشهادة تجسد عويلا لايصمت, يفضح ذلك النمط من التدين الفاشي الهمجي الذي خدع آلاف الناشئة وأغواهم بوعود خلاصية وفردوس خلاب, ثمنه تفجير أنفسهم وقتل الآخرين بأساليب بشعة, وحرق كل شيء لايكون نسخة مكررة عنهم.
وحسبما اوردته تقارير صحفية قبل أيام, فقد تجاوز عدد السيارات المفخخة التي فجرها انتحاريون في العراق منذ سقوط صدام سبعة آلاف سيارة, مما يعني ان آلاف الانتحاريين جرى اعدادهم وتصنيعهم من خلال غسيل أدمغتهم, وتعبئتهم بمفاهيم دينية زائفة, مسخت الروح التطهرية التنزيهية الرقيقة للدين, فاستحال التدين الى اعصار عاصف يجتاح الحياة, ويحطم كافة المكاسب التمدينية والحضارية والمعرفية للبشرية. انه سادية وجدانية ومعرفية, تتلذذ بقتل الضحية واستباحته.
ان تاريخنا ليس منزها وبريئا, وانما هو، كما يقول الدكتور محمد الطالبي
( كالتاريخ الانساني عموما, مليء بالانزلاقات والخروج عن الروح القرآني, وهو خروج قد يصل أحيانا الى أبشع ما تكون عليه الانحرافات: حروب, وإراقة دماء, وظلم بكل أنواعه, وتعذيب, ورد السيئة لا بالحسنة بل بأسوأ وأشنع منها… ان العنف ونتائج العنف كلها غير مفيدة للانسان, لأنها مراهنات غير رابحة, ولهذا عادة ما يخرج المؤرخ من دراساته التاريخية منكرا للعنف, لأنه إجهاض للحضارة الانسانية. ان العنف هو الذي قتل الحضارة الاسلامية) .
ولاريب ان التعصب والعدوانية والاستغلال ظواهر متفشية في الاجتماع البشري عبر التاريخ, كما ان عنف الانسان ضد أخيه الانسان ليس طارئا في الحياة, بل هو سلوك بيولوجي, وسياسي, واجتماعي, وديني, وثقافي مترسخ في دنيا الانسان. وان رسالة الأديان ومقاصدها الكلية تتلخص في إشاعة السلم والتراحم والمحبة بين الناس, والسعي لتجفيف منابع العنف والعدوانية والتعصب , كما سنشير الى ذلك لاحقا, ولكن طالما تم طمس تلك الرسالة ونقضها, بنشوء جماعات وفرق لاتقتصر على إعلان انتمائها للدين, وانما تصر على احتكار تمثيله, وتحرص على مخاصمة أية جماعة غيرها تقدم فهما مختلفا للدين. وتهتم تلك الجماعات بتطوير أساليبها الدعوية باستمرار, وتسعى للهيمنة على الدين والدنيا, وتكريس الانغلاق على الذات, ومطاردة أية محاولة تهدف الى نقدها, وإهدار دم الاشخاص الذين يصوبون مفاهيمها, ويفضحون انتهاكاتها لانسانية الانسان, وتزييفها لأهداف الدين, وإهدارها للقيم الروحية.
وعادة ماتصدر هذه الجماعات عن قراءة حرفية مغلقة للنصوص المقدسة, لاتكاد تتجاوز المدلول اللغوي الساذج, وتشيع تفسيرا قمعيا للنصوص, تقبع خلفياته وقبلياته النفسية والثقافية في الصحراء والمحيط البدوي المغلق على العالم, كما وتحارب بلا هوادة كافة القراءات التي تتخطى المعنى السطحي, وتغور في الأعماق, مستلهمة المضامين الروحية الغنية في النص, ومستوحية رؤيته الرمزية , مثلما فعل المتصوفة والعرفاء والفلاسفة الاشراقيون, وغيرهم. مضافا الى تنكر هذه الجماعات للاسلام الحضاري, وتعبيراته التمدينية, والثقافية, والروحية, والجمالية, واعتبارها هرطقة, وبدعة, وزيغ وضلال. اما الاسلام المستقيم الصحيح في نظرهم, فيختزل في اسلام العصر التدشيني, أي اسلام جيل الصحابة خاصة, بينما تخضع المعطيات المتنوعة للاسلام في المراحل اللاحقة, لاستراتيجية صناعة النسيان ومحو الذاكرة, وكأنها لم تعد موجودة.
كما ان الفنون الجميلة, من رسم ونحت وموسيقى وغيرها, جميعها محرمة, وتعاطيها محضور بأي شكل كان, ولابد من ان ينطفىء الحس الجمالي, ويتبلد الذوق الفني, ويشمل ذلك ايضا الجسد وتعبيراته الجمالية, ولغته والفضاءات الحافة به. ويشطب على الميراث الثقافي الهائل الخاص بالسماع والالحان والترانيم والمواجيد.
والعلامة الفارقة لخطابات هذه الجماعات, هو تشديدها على ضرورة تبني آراء السلف ومواقفهم بتمامها, وهروبها دائما الى الماضي, وارتيابها من كل ما من شأنه ان يطل على المستقبل, أو يتعاطى مع الواقع بعقلانية نقدية مستنيرة. وسعيها المتواصل لتبجيل الذات, وعدم الكف عن امتداحها, واصطناع صورة رومانسية مثالية لها, تعلي من شأنها, وتدافع عن اخطائها, ونكساتها, وتتجاهل مايحفل به تاريخها من ثغرات, واستبداد, ومظالم, ومايسود حاضرها من تخلف وجهل وأمية وفقر … فيما تصطنع صورة للآخر ليست بريئة, يصبح فيها كل ما يمت اليه من معارف ورؤى ومفاهيم وقيم… رجسا مدنسا, تجب مناهضته, واعداد التدابير الوقائية اللازمة لاغلاق مساربه وقنواته في مجتمعاتنا. وتتفنن هذه الجماعات في تجييش المهمشين والمحرومين, وتتخذهم مادة لبناء ثقافة خاصة بالانتحار وتمجيد الموت, يكون احد روافدها صورة الآخر المشوهة التي تصير منبعا لكراهيته والغضب المتقد عليه.
لقد اتسع نفوذ هذه الجماعات في عصرنا, وحاولت الافادة من تكنولوجيا المعلومات, وتوظيف التقنيات الراهنة في الاتصالات, لنشر افكارها, فتغلغلت مقولاتها في مختلف المناطق, واستقطبت عددا ليس بالقليل من الشباب والفتيان, وحرصت على صياغة وعيهم في ضوء توجهاتها. واخشى ان يلبث الدين لسنوات عديدة مختطفا من قبل تلك الجماعات.

انقاذ النزعة الانسانية في الدين :
ماالسبيل الى تحرير الدين من الفهم المتوحش, الذي يمسخه فيحيله الى منبع للعدوان والتعصب والكراهية؟
لعل السبيل الأمثل لبيان هشاشة هذا النوع من الفهم يكمن في السعي الحثيث للكشف عن النزعة الانسانية العميقة في الدين, واضاءة الحقول المنسية في النصوص المقدسة, والتنبيه الى الجهل, أو التجاهل, والاصرار على تغييب مساحة واسعة من تلك النصوص, تغتني بالجوانب التنزيهية السامية, التي تصطفي الانسان, وترفع مكانته, وتعتبره أكرم موجود خلقه الله في العالم, بل خلق كل شيء مسخرا من أجله, وجعل حياته أغلى رأسمال في الوجود, فهي مناط الخلافة, وموطن المسؤولية والأمانة الالهية.
وقد أنكر بعض المفكرين والباحثين والدارسين وجود نزعة انسانية في الدين, بالاعتماد على ما ورد في النصوص, من الأمر بالقتال, والحث على العنف, أو بالعودة الى التمثل السلبي للدين في الاجتماع البشري, واستثماره في الصراعات الدموية والحروب المقدسة في التاريخ, والاستعانة به للتحريض على الموت, وتعبئة اتباعه في معارك تنتهك كافة الحرمات, وتحيل كل شيء الى رماد.
ويؤكد طائفة من المفكرين على ان النزعة الانسانية عادة ما تنبثق في سياقات ثقافية واجتماعية وسياسية واقتصادية محددة, تشكل اطارا اجتماعيا معرفيا مناسبا لتبلورها, ولم يتشكل هذا الاطار الا في القرن الثامن عشر في اوروبا, بعد القطيعة الكاملة مع لاهوت القرون الوسطى, فهم يعتقدون بعدم امكانية انبثاق نزعة انسانية تتمحور حول مركزية الهية, وانما لاتولد هذه النزعة الا بعد التمحور حول الانسان, واحلاله في مركز الإله, وهو ما لم يحدث في الماضي, وانما حصل في العصر الحديث.
لكن جماعة من المفكرين برهنوا على تجذر النزعة الانسانية في الدين الاسلامي, امثال: جورج مقدسي , ومحمد اركون , وجويل كريمر , كما دلل جاك ماريتان على أولوية العامل الروحي, وشدد على رسوخ النزعة الانسانية في المسيحية.
ومما لاشك فيه ان الاجتماع الانساني طالما تعرض للانتهاك بذرائع دينية مختلفة, والكثير من الجنايات والمظالم والاغتصابات ارتكبت في التاريخ باسم الذود عن الدين, والدفاع عن ((شعب الله المختار)). ومازالت القراءة الفاشية للنصوص تنتج أعدادا لاحصر لها من الانتحاريين, الذين يفجرون أنفسهم, لقتل المصلين في المساجد والكنائس وبيوت العبادة، بغية الفوز برضوان الله ودخول الجنة!
غير ان مراجعة نقدية للتاريخ, وقراءة تحليلية للنصوص, وتقويم للموروث من منظور مختلف, يمكن ان تفتح لنا نافذة على البؤر المضيئة والثراء والتنوع في النصوص, ويمكننا في ضوء هذا النمط من التعاطي مع النص والتراث ادراك ماهو تاريخي, يعبر عن حالة معينة, ولحظة زمانية محددة, وواقع مضى, وظرف خاص, لايمكن تعميمه لكافة الوقائع والاحوال والازمان. والتعرف على المنطلقات الأساسية, والأهداف العامة, والمقاصد الكلية, وهي ما تفصح عن الروح الانسانية فيها, ومايشي بالوجه المطموس للدين, الذي غيبه ركام الموروث, مضافا الى مادة وفيرة من تفسيرات متوحشة للنصوص, تحكي عن اسقاطات لايديولوجيا اقصائية ومعتقدات قمعية. وفي كل مرة يستغل السلطان المستبد هذا ا

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb



 

 


التالي