قال عبد الكريم الخطابي " لا أرى في الوجود غير الحرية "
| ► | نوفمبر 2009 | ◄ | ||||
| سبت | أحد | إثنين | ثلاثاء | أربعاء | خميس | جمعة |
| 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | |
| 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 |
| 14 | 15 | 16 | 17 | 18 | 19 | 20 |
| 21 | 22 | 23 | 24 | 25 | 26 | 27 |
| 28 | 29 | 30 | ||||

لقد أضحى الغناء الإسلامي (الأنشودة الإسلامية) أمام عدة خيارات في ظرفنا الراهن, بعد القطع مع مرحلة التأصيل و بعد تجاوز التفريق الذي استمر لحين من الدهر: التفريق بين الغناء و الأنشودة.
فهو أمام خيار إخلاء الساحة وإن كان هذا الخيار صعب المنال بعد الشهرة التي لقيها هذا النوع من الفنون وبعد شهرة ممارسيه في العالم الإسلامي والغربي- سامي يوسف نموذجا.
أو أمام خيار الاستمرار في الساحة و الاستمرار على نفس الأغراض الغنائية المعتادة (التي كانت بديلا عن الغناء الماجن في وقت من الأوقات):أغراض ذكر الله مدح الرسول, القضية الفلسطينية.
أو أمام الخيار الذي يلوح في الأفق, وهو خيار الانتقال من التغني بالأغراض المحدودة التي ذكرناها إلى التغني بالقيم الإنسانية المشتركة – التي أهملت و لا نجد لها صدى إلا عند فنانين وعوها و نذروا أنفسهم لنشرها و الدود عنها وهم النزر اليسير – قيم الجمال, قيم الحب و الفضيلة, قيم الحرية, والكرامة, والتحرر التضامن, والديمقراطية, والمع
مواطنون لا رعايا[1]
الطالب:أموش عبد الله amouch.5@hotmail.com
وحدها الحيوانات { الدواب و الأنعام } هي التي تُرعى وتُساق وهي طائعة مطيعة ” كلوا وارعوا أنعامكم “. أما الإنسان فهو مكرم إلى درجة تغنينا عن استدعاء، و ذكر كل الآيات التي تصرح بتكريمه. إذ يكفي فقط القول بأن الرؤية القرآنية التي تكونها كليات أساسية تتماشى وهذا الطرح.
فالرعاية غير العناية،و بينهما بون شديد ، و لاستجلاء هذا البون يكفي أن توجه هذا السؤال إلى أحد معارفك أو أحبائك : في العالم العربي و الإسلامي هل يعتني بنا حكامنا كمواطنين أم يرعوننا ونحن طائعين ؟
يكفي أن تنظر إلى واقع هذه الدول وستعرف كل شيء، فلسان الحال ينطق بما نخاف أن نصرح به، وفي احد المجالس الفكرية طرحت نفس السؤال على الحاضرين فبان لهم الفرق الصارخ و انكشفت الفجوة، لكن لا أحد يقوى على ردمها. أنظر إلى عناية الأم بأبنائها و ما فيها من العطف و الحنان وقارن ذاك بما نحن فيه.
فنحن مواطنين – مفاعلة بين الوطن و المواطن، و لسنا رعايا أحد، ولا رعية فلان أوعلال، و بالتالي يجب التخلص من هذه المصطلحات المشينة لما فيها، و سيأتيك البيان.
نحن مواطنين و لسنا رعايا أو” رعاع” كما يحلو لليبمان أن يطلق على تلك الغالبية العظمى من السكان التي تسوسهم أقلية نافذة، و لا يراد لهم المشاركة في التدبير.
فالمراد من الحكام و المسؤولين أن يعتنوا بشعوبهم من ناحية إشراكهم في صنع القرار أولاً، ومن ناحية احترام إرادتهم الحرة التي يعبرون عنها أخيرا وليس أخير استمداد العمق الجماهيري منهم . فمن الإهانة أن يعبر الشعب عن إرادته في مسألة معينة ثم نأتي لنضرب بها عرض الحائط، ونحرف تلك الإرادة لحاجة في نفس يعقوب.
لكن ونحن في مقاربتنا لهذا الموضوع قد نتصادم مع تراثا[2] . قد نتصادم مع أمور قد يكون من شأنها أن تعرقل ما نصبوا إلى توضيحه، وتلك هي مشكلتنا مع تراثنا.
ولتفادي تلكم العرقلة منهجينا سنستدعي- من ضمن ما نستدعيه- العرض على الرؤية القرآنية أو لنقل استدعاء الكليات الأساسية بناء على الوحدة العضوية و كلية النص فكلها مدلولات متناسقة ومتكاملة تتشعب عند رجال الفكر والمعرفة من ناحية الاستعمال والتداول.
و نذكر بأن من رجال الفكر الذين تعرضوا لهذا الموضوع بطريقة مباشرة المفكر محمد أبو القاسم حاج حمد ففي محاولته استجلاء حقيقة الدس اليهودي على الأمة العالمية ، نجده في مبحث معنون “بظاهرة التحذير ومؤشراته” يقول كلاماً في غاية من النفاسة - وسأنقل كلامه ولو بشي من الطول –تعميما للفائدة:{ لم يأت القرآن بالتحذير دون إرشاد لموطنه وكيفيته . لهذا اختار الله موضوعا أورده في سياق النسخ و موقف اليهود، لنتوقف على كيفية الدس ” يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا و اسمعوا و للكافرين عذاب أليم” 104 البقرة [3] . فهذا القول يقوله المسلمون صباح مساء و ينسبونه إلى حديث نبوي يكاد يكون مجمعا عليه { كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته } و يتردد الحديث بحسن نية في حين أن الله نهى عنه و تخصيصا في سياق النسخ لتجربة اليهود [4]، فالمراعاة و الرعي هي من علاقة راعي البهائم بها . يسمنها ليبيعها و ذبحها وهي طائعة له وخاضعة يقودها بعصاه. فجعلوا الرسول صلى الله عليه وسلم راعيا و من الصحابة و المؤمنين بهائماً . في حين أن الله وفي القرآن لا يستخدم سوى العين و العناية }[5]و سنأتي إلى إتمام قول الدكتور بعد التأكيد على مسألة مهمة وهي أن البعض قد يعترض على مثل هذا التحليل وقد يقول بأن المقصود من التحذير أن اليهود كانوا يقولون هذا اللفظ أي ” راعنا” للرسول بقصد السب والشتم، لكن أياً كان السبب فلا يمكن أن نمتنع عن ذلك في زمنه صلى الله عليه وسلم ثم نحدثه من بعده. وفي ما سبق نتأكد بما لا يدع مجالا للشك بأن القرآن الكريم يقرر مبدأ العناية، ويرفض بالبث و المطلق ما نردده في كل حين من الرعاية. فهي إذن كليات قرآنية بدون أسلوب تعضيني لكتاب الله تقرر ذلك وبدون نسخ ولا تخصيص كذلك.
ليواصل الدكتور حاج حمد تحليله{ واصنع الفلك بأعيننا ووحينا و لا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون } 37 سورة هود. { أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم فليلقيه اليم بالساحل يأخذه عد ولي وعدو له و ألقيت عليك محبة مني ولتصنع علي عيني }39سورة طه.
ليخلص إلى ما يلي: أن { المطلوب من المسلم بناء على الآيات المذكورة سالفا هو القول بعناية الله وفي عين الله و ليس برعاية الله سبحانه ، فعلاقة الله والأنبياء بالبشر لا تتدنى لمستوى النعوت اليهودية التي حذر الله منها تحذيرا يستبطن نوعية الدس وكيفيته }.
بل يرى أن من خطورة الأمر أعاد الله سبحانه التركيز عليه في سياق أخر ضمن سورة النساء { ومن الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين و لو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرا لهم و أقوم و لكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا 46 يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارهم أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت و كان أمر الله مفعولا }47النساء، وجعل الله بديلا لراعنا مفردة انظرنا التي تتصل بالعين و العناية الإنسانية و الربانية خروجا على العلاقات البهيمية ، ومع ذلك يردد الناس { كلكم راع و كلكم مسؤول هن رعيته } دون الاستجابة للآيات في مصدرين من السور و دون الالتفاف إلى غضب الله على اليهود و تهديده لهم باللعنة مجددا.[6]
إذن قد يتعلق الأمر بدس يهودي كما يتجلى نفس الأمر في كلمة ومصطلح “الرعاع” عند ليبمان .فالرؤية القرآنية ترفض بكليات واضحات الرعاية وتقديم لنا البديل السليم” العناية”.
بالتالي يمكن في خضم ما ذكرنه أنفا أن نعرض ذاك الحديث على الكليات القرآنية فقد يكون من دسائس اليهود ، غير أن الحاج حمد رأى أكثر من ذلك فقال : هؤلاء دسوا ما هو أخطر من راعنا ووكلكم راع حين تحريف معنى النسخ ليجعلوه تناسخا بين آيات القرآن نفسه. ثم تناسخا بين النسخ في القرآن و السنة النبوية لإبطال شرعة التخفيف و الرحمة مما يعني أن الرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم هو على شرعة الإصر و الأغلال و بالتالي ليس هو الموعود من عند الله حتى يلزم إتباعه و ما من منهج يكذب نبوة محمد صلى الله عليه وسلم مثل هذا المنهج .
لدى يجب عرض حديث” كلكم راع” على رؤية القران فهو المنهج الكفيل للخروج من هذا المأزق. فالدكتور أحمد الريسوني يرى أن العرض ضروري عند تعارض حديث مع كليات القران ، فهو ذات المنهج الذي استعان به ليخلص إلى ما يلي في الردة : { وبهذا يظهر أن موجبات قتل المرتد ، هي ما يقترن بالردة من الخروج عن الجماعة و حمل للسيف عليها…وليخلص كذلك إلى التالي : { فقضية ” لا إكراه في الدين ” هي قضية كلية محكمة ، عامة تامة ، سارية على أول الزمان و آخره ، وسارية على المشرك و الكتابي ، سارية على الرجال و النساء ، سارية قبل الدخول في الإسلام ، وبعده ، …[7]هذا ليس المجال لتفصيل مثل هذه الأمور بقدر ما يهمنا تتبيث المنهج .
وقد نذهب في نهج الدكتور أحمد الريسوني إذ يرى :{ أن النهج الصحيح و المسلك القويم هو التمسك بالكليات على كلياتها و إحكامها ، و بالعمومات على عمومها و إطلاقها ، وعدم إبطال شيء منها أو معارضته، بدعوى نسخ، أو تخصيص ، أو تقييد إلا بحجة و برهان صحيح لا ريب فيه }[8] .
إذن بذات المنهج نستعين ، فالحديث حديث رسول الله في مقابلة رؤية قرآنية تشكلت من عدة آيات بينات ، وبنفس المنطق يرى الأستاذ جمال البنأ “أن ليس من معيار يمكن أن يفصل لنا في هذا المجال سوى القرآن ، فالموضوع هو حديث الرسول وليس هناك ما يسامي هذا في أقوال البشر . ولابد أن نذهب إلى القرآن رأسا حتى تطمئن القلوب و يزول ما يمكن أن يعرض لها من غضاضة أو تردد”.[9]
وعليه فبناء على كل ما ورد لا نجد غضاضة في التمسك بكلية النص في مقابلة ذاك الحديث .
وهذه مناسبة فريدة لمراجعة تلك المقولة الشائعة الصيت” لا مشاحة في الاصطلاح ” خصوصا ونحن في زمن حرب المصطلحات التي يمكن أن تكون فيها للمصطلحات طبيعة مطاطية “انسيابية” من مجال إلى آخر ولهذا أبى صناع القرار الوقوف عند كلمة “الإرهاب” من أجل التدقيق المصطلحي لذلك نجدها بالمقاس الأوروبي أو الأمريكي . فهناك مشاحة في المصطلح ونحن مطالبون بإقامة المصطلح الأم[10] وضبط المفاهيم.فمصطلح الرعاية فيه مشاحة مع مصطلح العناية ، كما أن بين مصطلح الديمقراطية و مصطلح الشورى مشاحة فلكل مصطلح حمولته المعرفية و المنهجية ولا يسلم من الانحياز .
فعند الرجوع إلى رحاب الدكتور محمد أبو
سنة المقاومة
الطالب:أموش عبد الله amouch.5@hotmail.com
يستعرض هذا المقال سنة من سنن الله في كونه. سنة المقاومة, التي تكسر كل القابليات, وتحدث إخلالا كبيرا في ميزان صراع الإرادات. بأرض فلسطين مقاومة, وبأرض العراق مقاومة,وبأفغانستان مقاومة مادام المحتل جاثما على الأرض.
فتعد مقاومة المحتل المغتصب في كل الشرائع و الملل عملا بطوليا مشرفا مهما كانت طبيعة الغاصب المعتدي من حيث الفكر و الجنس, ومهما كان هذا المقاوم من حيث الهدف والتوجه. وكل الشعوب البشرية تفاخر بشهدائها, وتقدس دماءهم الزكية اللاهبة بالنصب التذكارية و الأعياد السنوية كطبيعة لفطرة الإنسان وميوله نحو الحرية و العدالة و مقاومة الاستبداد.[1]
فالفطرة الإنسانية تأبى الخنوع و الخضوع, هذا ما أدرك عمر بن الخطاب رضي الله عنه أبعاده حين قال: {متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا} وفي مقولة علي بن أبي طالب رضي الله عنه تجسد لتلك الأبعاد حين قال :{ إن الله خلقكم أحرارا فلا تكونوا عبيدا}.
فإذن الحرية الإنسانية قيمة مقدسة في ميزان القيم الكونية المشتركة, و بالتالي تستحق قيمة التضحية و المقاومة من أجلها, وهذا مما لا تعارضه العقول السوية. و من هذا المنطلق يمكن أن نعتبر سنة المقاومة ثقافة تعزز الإرادة و التصميم. و يمكن أن نمثل لسنة المقاومة – إن لم نقل أن لهما نفس الدور – بذلك الجهاز المناعتي الذي يقاوم بمجرد دخول أو اقتحام الجرثوم الغريب للجسم. فهي بمثابة عملية رياضية, الاعتداء يجابه بالمقاومة.
هذه السنة الكونية هي التي تسير وفقها تلك الدجاجة التي لا حول لها ولا قوة و هي تقاوم المعتدي على فراخها, وهي نفس السنة التي يسير وفقها جهاز المناعة الداخلي, كما أنها هي عين السنة التي يسير وفقها المجاهد في سبيل تحرير والدود عن مقدسات وطنه وأمته. كما أنها تتجلى في قانون الدفاع الشرعي عن النفس.
وقد يكون من قبيل الانتحار التاريخي و الموت الحضاري أن يقع العدوان على دولة ما فتستقبل المحتل بالورود والزهور و تعبد له الطريق من أجل الدخول دون أية ردة فعل .
كما أنه من باب الانتحار و الموت الرحيم أن يدخل جسم غريب إلى جسم الإنسان دون أن يتحرك جهاز المناعة من أجل الدفاع عن الجسم, فهذا غير منطقي, و لا يستوي في ميزان السنن الكونية.
وإذا كانت المقاومة سنة كونية, فإنه لا يمكن أن تنفك عن إحدى الاتجاهين: الاتجاه الايجابي أوالإتجاه السلبي.
المقاومة السلبية:
هذا ما فعله غاندي { 1869- 1948} بمقاومته السلبية, ومقاطعته للعادات و المنتجات الأوربية, وحمله الهنود على هذا الأسلوب رغم تخلفهم, وعدم وجود قرار يدعمهم ..حتى أتت تلك الجهود أكلها و أعلنت بريطانيا سحب آخر جندي انجليزي من الهند سنة 1947م [2]
المقاومة الايجابية:
الانسان كائن متدين :
الدين ظاهرة واكبت تاريخ البشرية منذ وجودها على سطح الارض, والانسان كائن متدين, وان تباينت تعبيراته عن تدينه, واختلفت تجليات ومظاهر الدين في حياته. ومع ان طائفة من الفلاسفة والمفكرين تنبأوا بانحسار تأثير الدين كعامل محرك للحياة, وربما زواله نهائيا بعد دخول الانسان عصر العلم, واكتشافه للكثير من قوانين الطبيعة, وتفسيره لما كان يحسبه أسرارا وألغازا تستعصي على العقل, الا اننا نشاهد عودة للمقدس, اوإنتقاما لله لنفسه, وانبعاثا للعامل الديني، في المجتمعات الصناعية التي دخلت عصر العلم منذ فترة طويلة . كذلك لم يتراجع تأثير الدين في مجتمعاتنا, بل انطلق عاصفا ليجتاح كافة مجالات الحياة التي لبث شيء منها مدة طويلة بمنأى عنه. وحتى اولئك الذين يعلنون رفضهم واقلاعهم من كل فكرة أوشعور ديني, لايستطيعون الافلات التام من ترسبات الدين الغاطسة في لاوعيهم, والموروثة من سلالاتهم العريقة والاجيال المنحدرين منها. يكتب مرسيا الياد: (الانسان غير الديني ينحدر من سلالة الانسان الديني, وهو صنيعته ايضا, اراد ذلك أم لم يرد, وقد تكوّن انطلاقا من أوضاع اتخذها اسلافه… ان الانسان الدنيوي, أراد ذلك أم لم يرد, لم يزل يحتفظ بآثار من سلوك الانسان الديني, لكنها خالية من المعاني الدينية. مهما فعل فهو وارث, لايستطيع ان يلغي ماضيه نهائيا مادام هو نفسه نتاجا لهذا الماضي … الغالبية العظمى من الذين لادين لهم ليسوا متحررين تماما من المسلك الديني, من اللاهوت والميثولوجيا, فهم احيانا مثقلون بكل((لخبطة)) سحرية ـــ دينية, لكنها منحطة الى درجة الكاريكاتور, ولهذا كان من الصعب التعرف عليها) .
ان حياة مفرغة من أية مشاعر دينية, أو مستغنية بشكل تام عن المتطلبات المعنوية للانسان, ولاتصبو للمتعالي, ولاتتوق للامتناهي, ولاتسعى لقول ما لايمكن قوله, او التعبير عن ما لايمكن التعبير عنه, أو تصور ما لايمكن تصوره, ان مثل هذه الحياة لاتتسع لها ارضنا, ذلك انه حتى في أحرص المجتمعات على العلمنة, واشدها اصرارا على نبذ الرموز الدينية, يمكن لرجل اعمال مثلا أو سياسي ان يقبل بإخلاص قواعد الحياة العائلية التي يشرعنها الدين, بينما يسير اعماله في الوقت نفسه في الدائرة العمومية من دون الرجوع لأية قيم دينية مهما كانت, بل ان انتشار العلمنة وشيوعها في الحياة اليومية, لم يمنع من حضور رموز دينية مرتبطة بمؤسسات الدولة والاسرة, فمثلا حيث يقبل جميع الناس ان لايتخطى الدين ابواب الكنيسة, يمكن ان يقبلوا وبالطريقة نفسها ان لاتخاض حرب ولايُقدم على زواج دون اللجوء الى الرموز الدينية التقليدية .
ان حاجة الانسان الى الدين تنبثق من اعماقه, وحتى لو اجتاحت بعض المجتمعات جائحة تناهض الدين ومايتصل به, فانها سرعان ما تضمحل وتعاود الظواهر الدينية حضورها الأبدي من جديد, وربما بفاعلية وضراوة. ففي القرن التاسع عشر تحدث فويرباخ, وماركس, ونيتشه, …وغيرهم, عن غياب الاله, أو ((موت الله)) حسب تعبير نيتشه, غير ان الله انتقم لنفسه, فعاد الايمان به يتسع بمرور الايام, وتحقق ماقاله اندريه مالرو:( ان القرن الحادي والعشرين سوف يكون روحيا أودينيا, أو انه لن يكون) . صحيح انه قد مات نمط التصور القروسطي للإله, وتشكلت صورة بديلة عنه. اما الله تعالى فإنه حي لايموت, وهو ظاهر ماغاب قط, وان كانت أنحاء تصورات الانسان عنه تموت وتغيب, لتحل بدلا عنها تصورات اخرى.
ومادامت حياة الانسان تفضي الى الموت, والانسان كائن يتوق للخلود وينشد الابدية بطبيعته, فلا يمكن ان يصل الى اليوم الذي يستغني فيه عن الدين, ذلك (ان كل مجتمع بشري يمثل في نهاية التحليل جمعية أُناس يتحالفون معا تجاه الموت, وتكون قوة الدين رهينة لمصداقية الرايات التي يضعها بين أيدي البشر عندما يواجهون الموت, أو على الأصح بينما يتسابقون نحوه) .
الدين هو المشروع البشري الذي يخلق كونا مقدسا, وان يضع الانسان نفسه في موضعها الصحيح بالنسبة الى العالم المقدس معناه حمايتها من تهديدات الفوضى الكابوسية, وان الخروج من ذلك الموضع يعنى الانزلاق نحو حافة الهاوية. ويذهب بيرجر الى (ان الدين أدى دورا فريدا في مشروع بناء عالم بشري. الدين هو الذي يسمح بفرض دلالاته الخاصة على الواقع بأكثر نجاعة, وعلى الوجه الاكمل. والدين يقتضي ان يسقط النظام البشري على مجموع الكون. وبعبارة اخرى, فالدين هو أجرأ محاولة في تصور الكون كله ذات دلالة بشرية) .
ومعنى ان يعيش الفرد في كنف دين خاص هو افتراض ان يعيش في سياق اجتماعي خاص, يمكن لهذا العالم الديني داخله ان يضمن مصداقيته, وحيث يكون ناموس الحياة الفكرية متماشيا في كثير أو قليل مع هذا العالم الديني يمثل الانفصال عن هذا العالم تهديدا باللاناموس .
ان مايجتاح الحياة البشرية من جراحات ورضوض, وما يستبد بها من قلق, وكل ما ينتجه هذا القلق من كوابيس وتوترات واضطراب, ليس بوسع الانسان الخلاص منه بالوفرة المادية والرفاه وارتفاع المستوى المعاشي, لان كل ذلك لاينتج طمأنينة انطولوجية, وأملا مفعما بالغبطة, وسكينة, واحلاما متسامية, وانسجاما مع الكون والعالم الذي يعيش فيه البشر. بيد ان الدين, وبما يخلعه على العالم من نظام رمزي, يصيره شفافا جميلا, يتساكن معه الانسان. اذ ان النظام الرمزي يمنح القيمة لمختلف المعاني التي تنطوي عليها التجليات المقدسة. وعندئذ يتبدى العالم مشبعا بالمعنى. وتعزز رمزية العالم من قيمته, عبر تراكم دلالات اضافية, من دون ان تنال من قيمته الخاصة. وهكذا تكشف كل فعاليات الانسان ونشاطاته عن معنى, ولاتعود كثيفة ومرهقة, فيما تبدو الاعمال الفيزيولوجية المجردة عن النظام الرمزي للعالم, عارية عن المضمون الروحي, وتغدو كثيفة ومرهقة, وربما ليست ذات جدوى . واذا كان ( اصل الدين هو الشعور بالتبعية ) حسب شلاير ماخر, فان الدين يحررنا من الاغتراب الكوني, باعتباره نافذة نحو المتعالي, ووصال دائمي معه, وبالتالي إرتباط بوشيجة عضوية انطولوجية بالعالم.
تدين ضد الدين :
في اللحظات التي أكتب فيها هذه الأسطر_ يوم الثلاثاء 24/4/2006_ هاتفني ولدي محمد حسين الذي يدرس تكنولوجيا المعلومات في الجامعة المستنصرية ببغداد, فأخبرني بأن سيارتين مفخختين انفجرتا عند بوابة جامعتهم ظهر هذا اليوم_ لحظة دخوله_ فغرق وزملاؤه في حالة فزع وذهول مفجعة, بعد ان تناثرت اشلاء رفاقهم عند البوابة, وفاضت ارواحهم الزكية، لترسم دماؤهم على احجار الممرات المؤدية الى الفناء الداخلي لمباني الجامعة صورة أبدية، تكشف ما يتعمد التستر عليه ذلك النموذج اللانساني للتدين. لقد حفرت أشلاء اولئك الفتية احتجاجا مدويا، يخاطب الأجيال الآتية في بلدنا الذبيح, فهؤلاء الفتية يكتبون التاريخ بدمائهم, ويصرخون بشهادة تجسد عويلا لايصمت, يفضح ذلك النمط من التدين الفاشي الهمجي الذي خدع آلاف الناشئة وأغواهم بوعود خلاصية وفردوس خلاب, ثمنه تفجير أنفسهم وقتل الآخرين بأساليب بشعة, وحرق كل شيء لايكون نسخة مكررة عنهم.
وحسبما اوردته تقارير صحفية قبل أيام, فقد تجاوز عدد السيارات المفخخة التي فجرها انتحاريون في العراق منذ سقوط صدام سبعة آلاف سيارة, مما يعني ان آلاف الانتحاريين جرى اعدادهم وتصنيعهم من خلال غسيل أدمغتهم, وتعبئتهم بمفاهيم دينية زائفة, مسخت الروح التطهرية التنزيهية الرقيقة للدين, فاستحال التدين الى اعصار عاصف يجتاح الحياة, ويحطم كافة المكاسب التمدينية والحضارية والمعرفية للبشرية. انه سادية وجدانية ومعرفية, تتلذذ بقتل الضحية واستباحته.
ان تاريخنا ليس منزها وبريئا, وانما هو، كما يقول الدكتور محمد الطالبي
( كالتاريخ الانساني عموما, مليء بالانزلاقات والخروج عن الروح القرآني, وهو خروج قد يصل أحيانا الى أبشع ما تكون عليه الانحرافات: حروب, وإراقة دماء, وظلم بكل أنواعه, وتعذيب, ورد السيئة لا بالحسنة بل بأسوأ وأشنع منها… ان العنف ونتائج العنف كلها غير مفيدة للانسان, لأنها مراهنات غير رابحة, ولهذا عادة ما يخرج المؤرخ من دراساته التاريخية منكرا للعنف, لأنه إجهاض للحضارة الانسانية. ان العنف هو الذي قتل الحضارة الاسلامية) .
ولاريب ان التعصب والعدوانية والاستغلال ظواهر متفشية في الاجتماع البشري عبر التاريخ, كما ان عنف الانسان ضد أخيه الانسان ليس طارئا في الحياة, بل هو سلوك بيولوجي, وسياسي, واجتماعي, وديني, وثقافي مترسخ في دنيا الانسان. وان رسالة الأديان ومقاصدها الكلية تتلخص في إشاعة السلم والتراحم والمحبة بين الناس, والسعي لتجفيف منابع العنف والعدوانية والتعصب , كما سنشير الى ذلك لاحقا, ولكن طالما تم طمس تلك الرسالة ونقضها, بنشوء جماعات وفرق لاتقتصر على إعلان انتمائها للدين, وانما تصر على احتكار تمثيله, وتحرص على مخاصمة أية جماعة غيرها تقدم فهما مختلفا للدين. وتهتم تلك الجماعات بتطوير أساليبها الدعوية باستمرار, وتسعى للهيمنة على الدين والدنيا, وتكريس الانغلاق على الذات, ومطاردة أية محاولة تهدف الى نقدها, وإهدار دم الاشخاص الذين يصوبون مفاهيمها, ويفضحون انتهاكاتها لانسانية الانسان, وتزييفها لأهداف الدين, وإهدارها للقيم الروحية.
وعادة ماتصدر هذه الجماعات عن قراءة حرفية مغلقة للنصوص المقدسة, لاتكاد تتجاوز المدلول اللغوي الساذج, وتشيع تفسيرا قمعيا للنصوص, تقبع خلفياته وقبلياته النفسية والثقافية في الصحراء والمحيط البدوي المغلق على العالم, كما وتحارب بلا هوادة كافة القراءات التي تتخطى المعنى السطحي, وتغور في الأعماق, مستلهمة المضامين الروحية الغنية في النص, ومستوحية رؤيته الرمزية , مثلما فعل المتصوفة والعرفاء والفلاسفة الاشراقيون, وغيرهم. مضافا الى تنكر هذه الجماعات للاسلام الحضاري, وتعبيراته التمدينية, والثقافية, والروحية, والجمالية, واعتبارها هرطقة, وبدعة, وزيغ وضلال. اما الاسلام المستقيم الصحيح في نظرهم, فيختزل في اسلام العصر التدشيني, أي اسلام جيل الصحابة خاصة, بينما تخضع المعطيات المتنوعة للاسلام في المراحل اللاحقة, لاستراتيجية صناعة النسيان ومحو الذاكرة, وكأنها لم تعد موجودة.
كما ان الفنون الجميلة, من رسم ونحت وموسيقى وغيرها, جميعها محرمة, وتعاطيها محضور بأي شكل كان, ولابد من ان ينطفىء الحس الجمالي, ويتبلد الذوق الفني, ويشمل ذلك ايضا الجسد وتعبيراته الجمالية, ولغته والفضاءات الحافة به. ويشطب على الميراث الثقافي الهائل الخاص بالسماع والالحان والترانيم والمواجيد.
والعلامة الفارقة لخطابات هذه الجماعات, هو تشديدها على ضرورة تبني آراء السلف ومواقفهم بتمامها, وهروبها دائما الى الماضي, وارتيابها من كل ما من شأنه ان يطل على المستقبل, أو يتعاطى مع الواقع بعقلانية نقدية مستنيرة. وسعيها المتواصل لتبجيل الذات, وعدم الكف عن امتداحها, واصطناع صورة رومانسية مثالية لها, تعلي من شأنها, وتدافع عن اخطائها, ونكساتها, وتتجاهل مايحفل به تاريخها من ثغرات, واستبداد, ومظالم, ومايسود حاضرها من تخلف وجهل وأمية وفقر … فيما تصطنع صورة للآخر ليست بريئة, يصبح فيها كل ما يمت اليه من معارف ورؤى ومفاهيم وقيم… رجسا مدنسا, تجب مناهضته, واعداد التدابير الوقائية اللازمة لاغلاق مساربه وقنواته في مجتمعاتنا. وتتفنن هذه الجماعات في تجييش المهمشين والمحرومين, وتتخذهم مادة لبناء ثقافة خاصة بالانتحار وتمجيد الموت, يكون احد روافدها صورة الآخر المشوهة التي تصير منبعا لكراهيته والغضب المتقد عليه.
لقد اتسع نفوذ هذه الجماعات في عصرنا, وحاولت الافادة من تكنولوجيا المعلومات, وتوظيف التقنيات الراهنة في الاتصالات, لنشر افكارها, فتغلغلت مقولاتها في مختلف المناطق, واستقطبت عددا ليس بالقليل من الشباب والفتيان, وحرصت على صياغة وعيهم في ضوء توجهاتها. واخشى ان يلبث الدين لسنوات عديدة مختطفا من قبل تلك الجماعات.
انقاذ النزعة الانسانية في الدين :
ماالسبيل الى تحرير الدين من الفهم المتوحش, الذي يمسخه فيحيله الى منبع للعدوان والتعصب والكراهية؟
لعل السبيل الأمثل لبيان هشاشة هذا النوع من الفهم يكمن في السعي الحثيث للكشف عن النزعة الانسانية العميقة في الدين, واضاءة الحقول المنسية في النصوص المقدسة, والتنبيه الى الجهل, أو التجاهل, والاصرار على تغييب مساحة واسعة من تلك النصوص, تغتني بالجوانب التنزيهية السامية, التي تصطفي الانسان, وترفع مكانته, وتعتبره أكرم موجود خلقه الله في العالم, بل خلق كل شيء مسخرا من أجله, وجعل حياته أغلى رأسمال في الوجود, فهي مناط الخلافة, وموطن المسؤولية والأمانة الالهية.
وقد أنكر بعض المفكرين والباحثين والدارسين وجود نزعة انسانية في الدين, بالاعتماد على ما ورد في النصوص, من الأمر بالقتال, والحث على العنف, أو بالعودة الى التمثل السلبي للدين في الاجتماع البشري, واستثماره في الصراعات الدموية والحروب المقدسة في التاريخ, والاستعانة به للتحريض على الموت, وتعبئة اتباعه في معارك تنتهك كافة الحرمات, وتحيل كل شيء الى رماد.
ويؤكد طائفة من المفكرين على ان النزعة الانسانية عادة ما تنبثق في سياقات ثقافية واجتماعية وسياسية واقتصادية محددة, تشكل اطارا اجتماعيا معرفيا مناسبا لتبلورها, ولم يتشكل هذا الاطار الا في القرن الثامن عشر في اوروبا, بعد القطيعة الكاملة مع لاهوت القرون الوسطى, فهم يعتقدون بعدم امكانية انبثاق نزعة انسانية تتمحور حول مركزية الهية, وانما لاتولد هذه النزعة الا بعد التمحور حول الانسان, واحلاله في مركز الإله, وهو ما لم يحدث في الماضي, وانما حصل في العصر الحديث.
لكن جماعة من المفكرين برهنوا على تجذر النزعة الانسانية في الدين الاسلامي, امثال: جورج مقدسي , ومحمد اركون , وجويل كريمر , كما دلل جاك ماريتان على أولوية العامل الروحي, وشدد على رسوخ النزعة الانسانية في المسيحية.
ومما لاشك فيه ان الاجتماع الانساني طالما تعرض للانتهاك بذرائع دينية مختلفة, والكثير من الجنايات والمظالم والاغتصابات ارتكبت في التاريخ باسم الذود عن الدين, والدفاع عن ((شعب الله المختار)). ومازالت القراءة الفاشية للنصوص تنتج أعدادا لاحصر لها من الانتحاريين, الذين يفجرون أنفسهم, لقتل المصلين في المساجد والكنائس وبيوت العبادة، بغية الفوز برضوان الله ودخول الجنة!
غير ان مراجعة نقدية للتاريخ, وقراءة تحليلية للنصوص, وتقويم للموروث من منظور مختلف, يمكن ان تفتح لنا نافذة على البؤر المضيئة والثراء والتنوع في النصوص, ويمكننا في ضوء هذا النمط من التعاطي مع النص والتراث ادراك ماهو تاريخي, يعبر عن حالة معينة, ولحظة زمانية محددة, وواقع مضى, وظرف خاص, لايمكن تعميمه لكافة الوقائع والاحوال والازمان. والتعرف على المنطلقات الأساسية, والأهداف العامة, والمقاصد الكلية, وهي ما تفصح عن الروح الانسانية فيها, ومايشي بالوجه المطموس للدين, الذي غيبه ركام الموروث, مضافا الى مادة وفيرة من تفسيرات متوحشة للنصوص, تحكي عن اسقاطات لايديولوجيا اقصائية ومعتقدات قمعية. وفي كل مرة يستغل السلطان المستبد هذا ا












